وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله - عز وجل -، وإلى محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دَهَم يثرب، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم.
وما كان ليأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهود بما يعلمه من أمرهم، إلا إذا ظهر من بغيهم ما ينقض عهدهم, فيُؤخذون بما ظهر منهم وهذا ما حدث، فكان تلو كل غزوة قرشية إجلاء قبيلة يهودية، وفي هذا تقسيم للقوة اليهودية إلى ثلاثة قوى، تُستأصل كل واحدة لوحدها فلا تنصر قبيلة أختها، وحتى لا تؤخذ القبيلة بجريرة غيرها، فكان التكتيك العسكري تابعًا للتكتيك السياسي ففرقهم - صلى الله عليه وسلم - بتحالفه معهم، وقد ذكر ابن هشام طرفًا من عقد الموادعة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين اليهود بما يُشتت جمعهم ويُفرق صفهم فأورد: وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه، وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف.
ثم مزق قوتهم إلى ثلاث قوى رئيسة، ثم استأصل كل قوة بما ينهي تواجدها في دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
-حرب اليهود والتكتيك العسكري:
-بني قينقاع:
الحصار: بعد نقضهم العهد سار إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجند الله، ففر اليهود وتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد الحصار خمس عشرة ليلة، إلى أن قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا علي حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-بني النضير:
الحصار مع التحريق: بعد نقضهم العهد تحصن اليهود في حصونهم، وقاموا يرشقون جيش الإسلام بالحجارة والنبل، وكانت النخيل والبساتين تعينهم على طول المكث في الحصون، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقطع والتحريق، ودام الحصار ستَّ ليال فقط وقيل خمس عشرة ليلة.
-بني قريظة:
الحصار: بعد نقضهم العهد سارت إليهم ركائب التوحيد، واستمر"جيش الإسلام"محاصرًاَ بني قريظة خمسًا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد عين حكم الله جل في علاه.
-حرب الروم والتكتيك العسكري:
قال تعالى:"قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ" [التوبة 123] ، قال ابن كثير: أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم، وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجًا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام؛ لأنهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك، ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال.
وقال الألوسي في روح المعاني:"لأنه من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع الكفار وغزو جميع البلاد في زمان واحد فكان من قرب أولى ممن بعد، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بقتال الأبعد لا يؤمن معه من الهجوم على الذراري والضعفاء، وأيضًا الأبعد لا حد له بخلاف الأقرب فلا يؤمر به، وقد لا يمكن قتال الأبعد قبل قتال الأقرب، وقال بعضهم: المراد قاتلوا الأقرب فالأقرب حتى تصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافة، فهذا إرشاد إلى طريق تحصيله على الوجه الأصلح. ومن هنا قاتل - صلى الله عليه وسلم - أولًا قومه ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال قريظة والنضير وخيبر وأضرابهم، ثم إلى قتال الروم فبدأ -عليه الصلاة والسلام- بقتال الأقرب فالأقرب وجرى أصحابه على سننه - صلى الله عليه وسلم - إلى أن وصلت سراياهم وجيوشهم إلى ما شاء الله تعالى".