-وتوالت الوفود دخولًا في دين الله أفواجًا، ومن كثرتها سُمي العام التاسع باسم عام الوفود، ومع أن هذا لا يُلغي مقدم بعض الوفود قبل هذا التاريخ، ولكن الكثرة أضفت الصفة على هذا العام، وبذلك دخلت الجزيرة في الإسلام وخلت من الشرك والوثنية والحمد لله رب العالمين، لتبدأ مرحلة جديدة: مرحلة التوسع العالمي.
-المرحلة التاسعة: ما بعد الوفاة:
لم يكتف الروم بقتل الحارث بن عمير الأزدي رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يد أحد أعوان الروم شرحبيل بن عمرو الغساني، وقتل الرُسل يعني إعلان حالة الحرب بل يزيد، وما تبع ذلك من غزوات كمؤتة وتبوك، فتجرؤوا على قتل فروة بن عمرو الجذامي والي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معان، ونظرًا لهذا التبجح الرومي جهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشًا يغزو به الروم، وأمره أن يُوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، يرهب به الروم ويعيد العرب إلى الحسابات الجديدة بالتحالف مع الدولة الإسلامية، وهذه رسالة لم يألفها العرب أن تتحرك الدولة بجيشها نُصرة لفرد من المسلمين، في الوقت الذي كانت تزج فيه الكنيسة عرب الشام ضد عرب العراق، كل منهم ينصر سيده، هذا الروم وذاك الفرس، وسادتهم لا يرتد لهم طرف ولا يهفو لهم جفن للمقتلة العظيمة بين العرب، ووصلت الرسالة ووثق العرب بقوة هذا الدين وأتت السرية بما كان يُؤمل منها.
وسارت ركائب الإيمان خليفة تلو خليفة وقيادة تتبع قيادة، فجمع أبو بكر - رضي الله عنه - الجزيرة على ما كانت عليه من الإسلام بعد ردتها فور بلوغها نبأ وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أُخليت الجزيرة من اليهود ولم يبق فيها غير دين الإسلام على يد عمر - رضي الله عنه - إلا بعض دافعي الجزية، وسارت الجيوش تجوب الأقطار ففتحت العراق والشام وتعدتها لتفتح إفريقية وتخترق أوروبا.
وسارت ركائب أخرى تغزو البحر لتفتح قبرص ورودس في البحر المتوسط ليتحول العرب إلى سادة البر والبحر.
وتسير أخرى إلى فارس وأذربيجان وسجستان وأذربيجان.
وأخرى إلى الصين والسند والهند.
كلٌ يسير بركائبه ليسطر في التاريخ أروع وأطهر وأسرع حركة ملكت المشرق والمغرب، وما زال في الأمر متسع، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله زوى لي الأرض، أو قال: إن ربي زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها، وأُعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ..." [مسلم عن ثوبان - رضي الله عنه -] .
حين تتملك إرادة الحرب النفوس يحرص كل طرف على الوصول لأقصى أهدافه بأقل الإمكانات والخسائر، وهو ما يُلجئ القائد العسكري لتخير أقصر الطرق للوصول إلى النصر، أو على الأقل الانسحاب بأقل الخسائر، وفي سبيل الوصول للسيادة والانتصار يضطر القائد للتعامل مع المصطلحات والمفاهيم بطريقة مغايرة عما ألفه العادي في زمن السلم، ومنه مسألة جواز الكذب والخداع والحيلة والمكر، فإنها صفات سلبية إلا في أضيق الحدود فهل تبقى على المعني المألوف في أذهان الناس، أم أنها تأخذ بُعدًا آخر في زمن الحرب.
في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"الحرب خدعة"، قال الإمام النووي في شرحه على مسلم:"واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب وكيف أمكن الخداع"، وقال ابن حجر في الفتح:"وأصل الخداع إظهار أمر وإضمار خلافه، وفيه - أي الحديث- التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار"، وقال ابن المنير كما نقله ابن حجر:"معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر".
وقال العسكري:"أراد أن المُمَاكرة في الحرب أنفع من المكاثرة، فهو كقول بعض الحكماء إنفاذ الرأي في الحرب أنفع من الطعن والضرب، وكالمثل السائر إذا لم تغلب فأخلب أي اخدع، وقال بعض اللغويين: معنى خدع أظهر أمرًا أبطن خلافه، ومنه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا غزوة وَرّى بغيرها".