-تتابعت حركات المطاردة بعد حنين تتعقب فلول الفارين من القبائل، فساروا إلى الطائف ونخلة وأوطاس، وكانت النتيجة النهائية انكسار الشرك وأهله ودخولهم في دين الله، وعليه فلم يبق في الجزيرة العربية قوة بإمكانها أن تواجه دولة المدينة، ليبدأ عهد جديد.
-المرحلة السابعة: بعد الرجوع من الفتح من سرية عيينة بن حصن إلى بني تميم إلي سرية علي بن أبي طالب إلى صنم"طئ":
وهي فترة قصيرة ولكن معالم تحرك السرايا فيها يدل على التوسع الكبير في إرادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليشمل العرب جميعًا، فقد تحركت ست عشرة سرية إلى القبائل العربية، بعضها يدعو للإسلام ويُقاتل من لم يُسلم، كسرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب.
-خرجت بعض السرايا حفاظًا على الأمن في الجزيرة، كسرية علقمة بن مجزر المدخلي لتأديب بعض رجالٍ من الحبشة اجتمعوا على أعمال القرصنة والإغارة على القوافل التجارية، وهذا توجه جديد لبسط الأمن وكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصَّب نفسه- ويحق له ذلك- حارسًا على الجزيرة العربية.
-خرجت بعض السرايا لتكمل مهمة هدم الأصنام العربية، كسرية علي بن أبي طالب إلى"قلس"صنم طئ.
-كان من معالم هذه المرحلة وصول سرية علقمة بن مجزر لسواحل جدة على البحر الأحمر، وسرية العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وسرية زياد بن لبيد إلى حضرموت، فإذا أضيف إليها ما وصلت إليه جحافل التوحيد في مؤتة، فإن هذا يعني اتساع دائرة الإسلام لتشمل كل الجزيرة العربية.
-حسمت هذه المرحلة وجود أي قوة عربية تفكر ولو مجرد تفكير بقتال المسلمين، ولم يبق أمامهم إلا الإسلام أو الترقب على خوف ووجل إلى أين يؤول المصير، وبذلك حُسمت القوة للمسلمين، لتبدأ مرحلة توسع جديدة تتعدى الجزيرة العربية.
-المرحلة الثامنة: من غزوة تبوك إلى سرية أسامة بن زيد:
بعد الفراغ من العرب توجه نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الروم لأنهم أولًا أقرب الناس إليه من حيث الموقع، وأقربهم للإسلام دينًا قياسًا بالمجوسية في الفرس، والله تعالى يقول:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" [التوبة 123] ، مع وجود دوافع أخرى من ضمنها قتل الروم لرسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما حدث في مؤتة من انحسار الطرفين دون حسم للمعركة لصالح المسلمين مع أنها حققت الانتصار المعنوي للمسلمين، وما كان قيصر ليغفل عن أثر مؤتة فتجهز للقضاء على دولة الإسلام قبل تمكنها من الجزيرة العربية، ومع الضعف وقلة الإمكانات التي تزامنت مع تحرك الروم، أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دقة الموقف وضرورة التحرك لتتم المواجهة الخارجية فما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فكان التحرك إلى تبوك بما سُمي"جيش العسرة"ونزل المعسكر الإسلامي بتبوك، أما الرومان وحلفاؤهم من العرب فقد أخذهم الرعب من تحرك الرسول - صلى الله عليه وسلم - بجيشه ليتفرقوا في البلاد، وبذلك حققت تبوك انتصارًا ساحقًا للمسلمين مع أنهم لم يُقاتلوا بسيف، فقد أيقنت العرب حلفاء الروم أن لا فائدة من كل التحالفات السابقة، وأن المستقبل لهذا الدين، وعلمت العرب أن الروم لا تقوى على حرب دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فأيقنوا بانتهاء عهد الشرك والوثنية في الجزيرة العربية وهو ما سيتضح في عام الوفود.
-جاء يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعطاه الجزية، وكذلك فعل أهل جرباء وأهل أذرح - وهؤلاء ضمن أحلاف الروم سابقًا- فكان هذا نهاية عهد التبعية لروما والانطلاق بعهد جديد بالتحالف مع المدينة.
-انطلق خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل وأتى به صاغرًا وأقر بإعطاء الجزية وقاضاه - صلى الله عليه وسلم -، مع يحنة صاحب أيلة على قضية دومة وتبوك وأيلة وتيماء، وبذلك توسع النفوذ الإسلامي ليقف مباشرة على تخوم الروم.
-بعد تبوك حُسم الصُراع بين الإسلام والوثنية، وكُسرت شوكة الأعداء، وأُطفئت نار الفتنة، وبُسط الأمن في ربوع الجزيرة، وحج أبو بكر بالمسلمين، وجاء التنزيل بسورة"براءة"لتعلن للعرب أن وثنيتكم مؤقتة، والمطلوب من الرسول - صلى الله عليه وسلم:
1 -نبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأجَّل أربعة أشهر.
2 -من لم يكن بينه وبينهم عهد، فمدته أربعة أشهر أيضًا.
3 -الذين بينهم وبين المسلمين عهد ولم ينقضوا أو يُظاهروا على الإسلام فمدتهم إلى انتهائها.
وبعث أبو بكر مناديًا: ألا يحج بعد هذا العام مشرك، وبذلك انتهت الوثنية في الجزيرة العربية، وعُلم أنها لا تُبدئ ولا تُعيد.