أدرى، هل يُغني عني شيئًا، أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلتُ، فقالُوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلَك، واللهِ إن زاد الرجلُ على أن لعب بك، قال: لا واللهِ ما وجدتُ غير ذلك.
ومن التطبيقات العملية من الصحابة - رضي الله عنهم - لنظرية الخداع الحربي ما فعله سيف الله"خالد"في معركة مؤتة، وكيف غير أماكن الجند وأرسل بعض الجند ليأتوا على أنهم مدد، ثم انسحب بجيشه دون أن يلحقه عدوه، ظنًا منهم أنها مكيدة ليستدرجهم خالد، والغزوة مذكورة مشهورة في كتب السيرة والتاريخ.
في الوسيط: دَفَعَ الشيءَ: نَحَّاهُ وأزالَهُ بقُوَّة. وفي التنزيل العزيز:"وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ" [البقرة 251] ، وعليه فالحرب الدفاعية هي حرب دحر للعدو وتنحية عن مخططه وصد عن هدفه.
قد يطول الحديث في هذا النوع من الحروب بحيث يعجز الكاتب عن الاختصار، وطول الحديث ينبع من التنبيه على كل حدث والوقوف عنده للنظر فيه، والعجيب أن الهجوم لا يأخذ هذا الحيز لاعتبارات منها:
-في حالة الدفاع: المهاجم هو صاحب القرار، والمدافع ليس بيده حيلة إلا الصمود.
-في حالة الدفاع: تُستنزف كل القدرات والطاقات، أما في الهجوم فتوزع حسب الحاجة.
-في حالة الدفاع: يصعب تحديد اتجاه المعركة، أما في الهجوم فالقائد هو الذي يحدد البوصلة، فيضغط علي جهة ليخفف عن الأخرى أو العكس.
وغير ذلك من الاعتبارات التي تؤثر على سير المعركة، وربما يكون من أهمها بل أهمها أن الجندي يحمل عبء حماية الدولة، فكلٌ على ثغر والكل يخاف أن يُؤتى من قبله، وهل كل الجنود يصلح لهذه المهمة؟ أما في حالة الهجوم فيتم الاختيار بناءً على الكفاءات والقدرات.
-"غزوة أحد"وخطة الدفاع:
سبب المعركة:
كان لبدر الوقع العظيم على قريش فمصابها بصناديدها أكبر من أن تحتمله دفعة واحدة، ثم إن الهزيمة ساحقة بكل معنى الكلمة، ففيها خسرت قريش هيبتها، وفيها أُعلن عن ميلاد دولة الإسلام وفيها أُعلن طور جديد من المواجهة، من الاستضعاف إلى القتال، مع ما سبقه من غارات على قوافل قريش أرقت مضاجعهم، مع إبطاء في فداء الأسرى كسر أنف كبريائهم، ثم كانت القطرة التي أفاضت الكأس أو الشرارة التي أتت على الهشيم، خسارة قريش لقافلة كاملة على يد زيد بن حارثة - رضي الله عنه -.
لهذه الأسباب وغيرها عزمت قريش على القضاء على قوة الدولة الجديدة، أو على الأقل استعادة بعضٍ مما فقدته في المعركة الأولي:
وأعلن زعماء مكة الحرب، وأول ما فعلوه أن جعلوا قافلة أبي سفيان بما فيها - التي نجت في بدر- وقودًا للحرب القادمة وقالوا للذين كانت فيها أموالهم: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وَتَرَكُم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرًا، فأجابوا لذلك، فباعوها، وكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار، وفي ذلك أنزل الله تعالى:"إن الذين كفروا يُنفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلبون" [الأنفال: 36] .
واجتمع ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش، معهم خمس عشرة امرأة للتأليب والتحريض والتحميس، بثلاثة آلاف بعير ومائتا فرس جنبوها طول الطريق لتبقى في كامل صحتها وقوتها، مع سبعمائة درع، بقيادة أبي سفيان والقيادة العسكرية لخالد.
عدد رهيب بإمكانات هائلة لم تعهدها العرب في ذلك الحين، أن يجتمع هذا العدد بهذه القدرة القتالية، وكأنها حرب شاملة تبيد الخضراء وتستبيح البيضة.
وتحرك الجيش ووصلت أخبار التحرك والأعداد والتفاصيل للرسول - صلى الله عليه وسلم - عن طريق عمه العباس - رضي الله عنه -، وبوصول الخبر:
-أُعلنت حالة التأهب القصوى فكان الرجال لا يفارقون أسيافهم حتى في الصلاة.