الصفحة 73 من 216

رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر، وغنم أموالهم، وجرت فيها سهامُ الله، وإنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد اصطفى صفيَّةَ بِنت حُيَىّ لنفسه، وأعرسَ بها، ولكن جئتُ لمالى، أردت أن أجمعه وأذهب به، وإنى استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقول، فَأَذِنَ لى أن أقول ما شئت، فأخْفِ علىَّ ثلاثًا، ثم اذكرْ ما شئت. قال: فجمعت له امرأتُه متاعه، ثم انشمر راجعًا، فلما كان بعدَ ثلاث، أتى العباسُ امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجُكِ؟ قالت: ذهب، وقالت: لاَ يَحْزُنْك اللهُ يا أبا الفضل، لقد شقَّ علينا الذي بلغك. فقال: أجل، لا يَحْزُنُنى الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أُحِبُّ، فتح اللهُ على رسوله خيبرَ، وجرت فيها سهامُ الله، واصطفى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صفيَّة لنفسه، فإن كان لكِ في زوجك حاجة، فالحقى به. قالت: أظنُّك واللهِ صادقًا. قال: فإنى واللهِ صادق، والأمرُ على ما أقول لك. قالت: فمن أخبرك بهذا؟ قال: الذي أخبركِ بما أخبركِ، ثم ذهب حتَّى أتى مجالسَ قريش، فلما رأوه، قالوا: هذا واللهِ التجلُّدُ يا أبا الفضل، ولا يصيبُك إلا خير، قال: أجل لم يُصبنى إلا خيرٌ، والحمد لله، أخبرنى الحجَّاج بكذا وكذا، وقد سألني أن أكتُمَ عليه ثلاثًا لحاجة، فردَّ الله ما كان للمسلمين مِن كآبة وجَزَع على المشركين، وخرج المسلمون مِن مواضعهم حتى دخلوا على العباس، فأخبرهم الخبرَ، فأشرقت وجوهُ المسلمين.

قال ابن القيم في الزاد: جوازُ كذب الإنسانِ على نفسه وعلى غيره، إذا لم يتضمَّن ضرَر ذلك الغير إذا كان يُتوصل بالكذب إلى حقه، كما كذب الحجَّاحُ بن عِلاط على المسلمين، حتى أخذَ مالَه مِن مكة مِن غير مضرَّة لحقت المسلمين من ذلك الكذب، وأما ما نال مَن بمكة من المسلمين من الأذى والحزن، فمفسدةٌ يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب، ولا سيما تكميلَ الفرح والسرور، وزيادةَ الإيمان الذي حصل بالخبرِ الصَّادِق بعد هذا الكذب، فكان الكذبُ سببًا في حصول هذه المصلحة الراجحة، ونظيرُ هذا الإمامُ والحاكمُ يوهِمُ الخصمَ خلافَ الحق لِيتوصل بذلك إلى استعلام الحقِّ، كما أوهم سليمانُ بن داود إحدى المرأتين بِشَقِّ الولد نِصفين حتى توصَّل بذلك إلى معرفة عَيْن الأُم.

-الخداع للتعمية على العدو:

أخرج مسلم حديث حذيفة - رضي الله عنه - وذهابه للاطلاع على خبر قريش في الأحزاب وفي رواية الحاكم والبزار زيادة: ... فانطلقت إلى عسكرهم فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله، قد تفرق الأحزاب عنه، حتى إذا جلست فيهم فحسب أبو سفيان أنه دخل فيهم من غيرهم، قال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، فضربت بيدي على الذي على يميني وأخذت بيده، ثم ضربت بيدي على الذي عن يساري فأخذت بيده، فلبثت هنيهة، ثم قمت فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

-الخداع للتقليل من قدر الخصم، وإظهار سفاهة رأيه وصغر مداركه:

أراد أبو سفيان تجديد عقد الحديبية بعد اعانة قريش لبني بكر حلف قريش على خزاعة حلف الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن القيم في الزاد: ثم خرج أبو سفيان حتى قَدِمَ المدينة، فدخل على ابنتِه أُمِّ حبيبة، فلما ذهب لِيجلس على فِراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، طَوَتْهُ عنه، فقال: يا بُنية؛ ما أدرى أَرغبتِ بى عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عنى؟ قالت: بل هو فِراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت مُشرك نَجَسٌ، فقال: واللهِ لقد أصابك بعدى شر.

ثم خرج حتى أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكلَّمه، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، ثم ذهبَ إلى أبى بكر، فكلَّمه أن يُكَلَّمَ لَهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عُمَرَ بنَ الخطاب فكلَّمه، فقال: أنا أشفعُ لكم إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فواللهِ لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتُكم به، ثم جاء فدخل على عليٍّ بن أبى طالب، وعنده فاطمَةُ، وحسن غلامٌ يَدِبُّ بين يديهما، فقال: يا عليّ إنك أمسُّ القومِ بى رحمًا، وإني قد جئتُ في حاجة، فلا أرْجِعَنَّ كما جئتُ خائبًا، اشفع لى إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سُفيان، واللهِ لقد عزم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيعُ أن نُكَلِّمَه فيه، فالتفتَ إلى فاطمة فقال: هَلْ لَكِ أَنْ تأمُرى ابْنَك هذا، فيجير بينَ الناس، فيكون سيدَ العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: واللهِ ما يبلغُ ابني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحدٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأُمورَ قد اشتدت علىَّ، فانصحنى، قال: واللهِ ما أعلم لك شيئًا يُغني عنك، ولكنك سَيدُ بني كِنانة، فقم فأجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أَوَ ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا، قال: لا واللهِ ما أظنه، ولكنِّي ما أجد لك غيرَ ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس؛ إني قد أجرتُ بين الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئتُ محمدًا فكلَّمتُه، فواللهِ ما ردَّ عليَ شيئًا، ثم جئتُ ابن أبي قُحافة، فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئتُ عمر بن الخطاب، فوجدته أعدى العدُو، ثم جئتُ عليًا فوجدته ألين القوم، قد أشار عليَّ بشئ صنعته، فواللهِ ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت