أما قصة أبي بصير وإغارته على القوافل فقد أخرج الحديث بطوله البخاري وفيه قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ويل امه مسعر حرب لو كان له أحد"، ولما عرف أبو بصير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيرده إليهم خرج حتى أتى سيف البحر، ثم انفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، تناشده بالله والرحم أن يلحقه بالمدينة.
"الحرب الباردة"هي حالة حربية ولكنها تأخذ طابع الهدوء الحذر في ظاهرها والبركان الثائر في حقيقتها، تهدف لاستعادة جوانب القوة بعد المعارك، والعودة إلى مراكز التأثير، أو تهيئ الظروف المواتية للبدء بحرب جديدة، وعليه فهي حالة حربية لا تُسْتَخْدَمُ فيها الوسائل القتالية بالمفهوم الموسع، وفي الأغلب تكون تمهيدًا وتوطئةً للحرب الحقيقية، وبذلك تكون الحرب الباردة حرب مؤقتة تنتهي بالحرب الساخنة أو استسلام الخصم أو الخضوع لسياسة الدولة، أو الرضا بالواقع الجديد.
-غزوة تبوك و"الحرب الباردة":
-أسباب الحرب:
أول المناكفات بين الروم والمسلمين بدأت بقتل شرحبيل بن عمرو الغساني لسفير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحارث بن عمير الأزدي، وقد أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية زيد بن حارثة - رضي الله عنه - والتي خاضت معركة دامية في مؤتة، ومع أنها لم تأخذ بالثأر ولكنها تركت أثرًا عظيمًا في نفوس الجميع، مَنْ شاركَ ومَنْ لم يشارك، للصدى الذي تأخذه عصابة من ثلاثة آلاف مقاتل تتحدى أعظم إمبراطورية على وجه الأرض ثم ترجع دون إبادة، هذا جعل العرب تُعيد قراءة المواقف بناءً على الخارطة الجديدة، محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه - رضي الله عنهم - لا يهابون الروم فكيف العرب؟
وما كان هرقل ليغفل عن الأثر الذي أوقعته المعركة في نفوس العرب العملاء للإمبراطورية،"ولم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الأثر الكبير لصالح المسلمين، وعما كان يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من استقلالهم عن قيصر، ومواطأتهم للمسلمين، إنَّ هذا كان خطرًا يتقدم ويخطو إلى حدوده خطوة بعد خطوة، ويهدد الثغور الشامية التي تجاور العرب، فكان يرى أنَّ القضاء يجب على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم لا يمكن القضاء عليها، وقبل أن تثير القلاقل والثورات في المناطق العربية المجاورة للرومان."
ونظرًا إلى هذه المصالح، لم يقض قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة حتى أخذ يهيئ الجيش من الرومان والعرب التابعة لهم من آل غسان وغيرهم، وبدأ يجهز لمعركة دامية فاصلة. [الرحيق] .
وذهب ابن كثير في"التفسير"إلى أنَّ سبب الغزوة هو استجابة للأمر الرباني بالجهاد، ولذلك عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتال الروم؛ لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله, قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" [التوبة: 123] .
ولا يمتنع الجمع بين السببين: فمن جهة الروم استرداد هيبتهم وسلطانهم على العرب، وتأديبًا لمن تجرأ على محاربة الروم، ومن جهة النبي تنفيذ الأمر الرباني بالجهاد، وكان التجمع الرومي سببًا للعزم الأكيد.
-"الحرب الباردة"تسيطر على أهل المدينة:
"كانت الأنباء تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان، للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين، حتى كان الخوف يتسورهم كل حين، لا يسمعون صوتًا غير معتاد إلا ويظنه زحف الرومان."
ويظهر ذلك جليًا مما وقع لعمر بن الخطاب، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهرًا في هذه السنة - 9هـ - وكان هجرهن واعتزل عنهن في مشربة له، ولم يفطن الصحابة إلى حقيقة الأمر في بدايته، فظنوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلقهن، فسرى فيهم الهم والحزن والقلق.