الصفحة 25 من 216

يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو يروي هذه القصة: وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتية أنا بالخبر- وكانا يسكنان في عوالى المدينة، يتناوبان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتخوف ملكًا من ملوك غسان ذُكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب، فقال: افتح، افتح، فقلت: جاء الغساني؟، فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أزواجه. الحديث. [الرحيق] .

وفي لفظ البخاري: وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نَوْبَتِهِ، فرجع عشاء، فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال: أنائم هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم. فقلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم منه وأطول، طلق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - نساءه.

-"الحرب الباردة"والاستعدادات:

وقد توارد من مسميات غزوة تبوك كما عند البخاري: باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، وفيه حديث أبي موسي الأشعري، قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك.

وقد ورد هذا الاسم في قوله تعالى:"لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [التوبة: 117] .

قال ابن إسحاق: وكانت في زمن عُسْرَةٍ مِنَ الناس، وجَدْبٍ من البلاد، وحين طابت الثمارُ، والناس يُحبون المُقام في ثمارهم وظِلالهم، ويكرهون شُخوصهم على تلك الحال، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قلَّما يخرج في غزوة إلا كنَّى عنها، وورَّى بغيرها، إلا ما كان مِن غزوة تَبُوك، لبُعْد الشُّقة، وشِدة الزمان.

-صلح الحديبية و"الحرب الباردة":

رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام أنه سيطوف بالبيت وتداول الخبر الصحابة - رضي الله عنهم - وساروا معتمرين آمين البيت، وفزعت قريش حين علمت بمقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان - رضي الله عنه - إلي قريش يعلمهم أنه ما جاء مقاتلًا إنما معتمرًا، وانتشرت إشاعة مقتل عثمان فتبايع الصحابة تحت الشجرة بيعة الرضوان على الموت، وهو ما جعل قريش تتدارك الموقف لترسل سهيلًا بن عمرو ليصالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي ألا يدخلها هذا العام ويأتي من قابل، هذا ما جعله ترتيبًا صاحب الرحيق، أي سفارة عثمان بعد سفارة بديل وسهيل، وابن القيم يرى أن توافد رسل قريش كلهم كان بعد إرسال عثمان فقال: فبينما هم كذلك، إذ جاء بُدَيْلُ بنُ ورقاءَ الخُزاعى في نَفرٍ مِن خُزاعة، وكانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن أهل تِهامَة، فقال: إني تركتُ كعبَ بنَ لُؤَى، وعامر بن لؤى نزلوا أعدَادَ مِياه الحُدَيْبية معهم العُوذُ المَطَافِيلُ، وهم مقاتِلُوكَ، وصادُّوك عن البيت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّا لَمْ نِجِئْ لِقِتَالِ أحَدٍ، ولَكِنْ جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيْشًَا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ، وأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُم، ويُخَلُّوا بيْنى وبَيْنَ النًَّاسِ، وَإنْ شَاؤوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دخل فيهِ الناس، فَعَلُوا وإلاَّ فَقَدْ جَمُّوا، وإنْ هُم أَبَوْا إلاَّ القِتَالَ، فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأُقَاتِلَنَّهُم عَلَى أَمْرِى هذَا حَتَّى تَنْفَردَ سَالِفَتِى، أوْ لَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ".

قال بُديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قُريشًا، فقال: إني قد جئتُكم مِن عند هذا الرجل، وقد سمعتُه يقول قولًا، فإن شئتم عرضتُه عليكم، فقال سفهاؤهم: لا حاجةَ لنا أن تُحدِّثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هاتِ ما سمعته، قال: سمعتُه يقول كذا وكذا. فحدَّثهم بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -.

فقال عُروةُ بنُ مسعود الثَّقفى: إن هذَا قد عَرَضَ عليكم خُطَّة رُشد، فاقبلوها، ودعوني آتِه، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يُكلمه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوًا من قوله لِبُديل، فقال له عروةُ عند ذلك: أي محمد، أرأيتَ لو استأصلتَ قومَك هل سمعتَ بأحدٍ مِن العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فواللهِ إني لأرى وجوهًا، وأرى أوباشًا من الناس خليقًا أن يَفِرُّوا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امْصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ، أنحنُ نَفِرُّ عنه وندعه؟ قال: مَن ذا؟ قالُوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يَدٌ كانت لكَ عندي لم أَجْزِكَ بها، لأجبتُك، وجعل يُكلِّم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلما كلَّمه أخذَ بلحيته، والمغيرةُ بنُ شُعبة عِند رأسِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعه السيفُ، وعليه المِغفرُ، فكلما أهوى عُروةُ إلى لحية النبي - صلى الله عليه وسلم -، ضرب يَده بِنَعْلِ السيفِ، وقال: أخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحية رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فرفع عروة رأسه وقال: مَن ذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شعبة. فقال: أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت