الصفحة 185 من 216

قال:"الجبلُ الذي رأيتَ في النوم أنك أخذته"، فانصرف عُيينة، فلما رجع إلى أهله، جاءه الحارث بن عوف، فقال: ألم أقل لك إنك تُوضِع في غير شيء، واللهِ لَيَظْهَرَنَّ محمد على ما بين المشرق والمغرب، يهود كانوا يُخبروننا بهذا.

وفي الزاد وعند ابن سعد: قدم حُسيل بن نُويرة، وكان دليلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خَيْبَر، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"ما وراءك؟"قال: تركتُ جمعًا من يَمَن وغَطَفَان وحيَّان، وقد بعث إليهم عُيينة: إما أن تسيروا إلينا، وإما أن نَسير إليكم، فأرسلوا إليه أن سِرْ إلينا، وهم يُريدونك، أو بعضَ أطرافك، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر وعمر، فذكر لهما ذلك، فقالا جميعًا: ابعث بشير بن سعد، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل، ويكمنُوا النهار، وخرج معهم حُسيل دليلًا، فساروا الليل وكمنوا النَّهارَ، حتى أتوا أسفل خَيْبَر، حتى دَنَوْا مِن القوم، فأغاروا على سرحهم وبلغ الخبرُ جمعهم فتفرَّقوا، فخرج بشير في أصحابه حتى أتى محالَّهم، فيجدُها ليس بها أحد، فرجع بالنَّعم، فلما كانوا بسلاح، لَقُوا عينًا لعُيينة، فقتلوه، ثم لقُوا جمعَ عُيينة وعُيينة لا يشعُرُ بهم، فناوشوهم، ثم انكشفَ جمع عُيينة، وتبعهم أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأصابُوا منهم رجلين، فَقَدِمُوا بهما على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأسلما فأرسلهما.

وقال الحارث بن عوف لعُيينة وقد لقيه منهزمًا تعدُو به فرسه: قف، قال: لا أقدِرُ خلفي الطلب، فقال له الحارث: أما آن لك أن تُبصرَ بعضَ ما أنت عليه، وأن محمدًا قد وطأ البلادَ، وأنت تُوضع في غير شيء؟ قال الحارث: فأقمتُ مِن حين زالت الشمسُ إلى الليل وما أرى أحدًا، ولا طلبوه إلا الرعبَ الذي دخله.

جاء في المحيط: الإشاعة: خبر غير موثوق به ينتشر بين الناس.

"حرب الشائعات"هي حرب معلومات مجهولة المصدر والوجهة، مزيفة للحقائق تهدف للتأثير على نفسية الخصم، وجعله تربة خصبة لاستقبال وتنفيذ مخطط خصمه، وهي لا تستقل بنفسها، بل تكون توطئة وتمهيدًا للحرب الفعلية، وهي جزء من"الحرب النفسية"وموطنها الأصلي"الحرب الإعلامية".

تستهدف"حرب الشائعات"نفسية الخصم، ومرتعها حالة الخوف أو الهلع التى تُسيطر علي النفوس خوفًا من المجهول القادم، ليجد لها الصدى عند ذوي النفوس الضعيفة، قال تعالى:"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين" [آل عمران 173 - 175] .

-تنبع خطورة حرب الشائعات من قائلها ومروجها على السواء:

أما من جهة القائل، فموقعه أو حجمه أو اعتماده مبدأ السرية في التصريح يُضيف واقعًا مرعبًا إذا تسرب منه قول أو بادرة فعل، وها هنا موقف يوضح حالة الرعب التى تُسيطر علي النفوس من ترامي الأخبار بالغزو، جاء في الرحيق والحديث في الصحيح:"وكانت الأنباء تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان، للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين، حتى كان الخوف يتسورهم كل حين، لا يسمعون صوتًا غير معتاد إلا ويظنونه زحف الرومان."

ويظهر ذلك جليًا مما وقع لعمر بن الخطاب، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهرًا في هذه السنة -9هـ - وكان هجرهن واعتزل عنهن في مشربة له، ولم يفطن الصحابة إلى حقيقة الأمر في بدايته، فظنوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلقهن، فسرى فيهم الهم والحزن والقلق. يقول عمر بن الخطاب - وهو يروي هذه القصة: وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتية أنا بالخبر - وكانا يسكنان في عوالى المدينة، يتناوبان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتخوف ملكًا من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب، فقال: افتح، افتح، فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أزواجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت