الصفحة 193 من 216

الغنائم: هي الأموال المأخوذة من أهل الحرب قهرًا، سواء أُخذت والحرب قائمة أو أخذت عند مطاردة الأعداء وفرارهم.

قال الراغب في المفردات: الغَنم معروف، قال تعالى:"وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِم شُحُومَهُمَا" [الأنعام 146] والغُنم إصابته والظفر به، ثمّ استعمل في كل مظفور به من جهة العِدى وغيرهم، قال تعالى:"وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْء ..." [الأنفال41] .

وعن الخليل في العين والتي هي من أصول معرفة اللغة: الغُنم هو الفوز بالشيء من غير مشقّة.

وفي القاموس المحيط: الغُنم بالضمّ، والمغنم والغنيمة في اللغة: ما يصيبه الإنسان ويناله ويظفر به من غير مشقّة، والآية بصيغة الماضي"ما غنمتم"عام في كل ما غُنم قبل النزول ولا يخصص بدار الحرب، فالعلماء والمفسرون على شمول النص لما غنم سواء في حرب أو غيره وسواء في دار الحرب أو غيرها.

"حرب الغنائم"هي حرب يُقصد بها الحصول على الغنيمة سواء بالبدء أو الانتهاء، أو كانت مقصودة لذاتها أو نتيجة للحرب، أو كان يتوقف ويكتفي بها عن مواصلة الحرب.

قال ابن رجب في الحكم الجديرة بالإذاعة: قوله - صلى الله عليه وسلم:"وجعل رزقي تحت ظل رمحي": إشارة إلى أن الله لم يبعثه بالسعي في طلب الدنيا، ولا بجمعها واكتنازها، ولا الاجتهاد في السعي في أسبابها وإنما بعثه داعيا إلى توحيده بالسيف، ومن لازم ذلك أن يقتل أعداءه الممتنعين عن قبول التوحيد، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ويسبي نساءهم وذراريهم، فيكون رزقه مما أفاء الله من أموال أعدائه، فإن المال إنما خلقه الله لبني آدم ليستعينوا به على طاعته وعبادته، فمن استعان به على الكفر بالله والشرك به سلط الله عليه رسوله وأتباعه فانتزعوه منه وأعادوه إلى من هو أولى به من أهل عبادة الله وتوحيده وطاعته، ولهذا يسمى الفيء لرجوعه إلى من كان به أحق ولأجله خلق.

وكان في القرآن المنسوخ:"إنما أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة"، فأهل التوحيد والطاعة لله أحق بالمال من أهل الكفر به والشرك، فانتزع أموالهم، وجعل رزق رسوله من هذا المال لأنه أحل الأموال كما قال تعالى:"فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا" [الأنفال69] ، وهذا مما خص الله به محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأمته فإنه أحل لهم الغنائم.

وقد قيل: إن الذي خُصت بحله هذه الأمة هو الغنيمة المأخوذة بالقتال دون الفيء، والمأخوذ بغير قتال فإنه كان حلًا مباحًا لمن قبلنا وهو الذي جعل رزق رسوله منه، وإنما كان أحل من غيره لوجوده:

منها أنه انتزاع مالًا لا يستحقه لئلا يستعين به على معصية الله والشرك به، فإذا انتزعه ممن لا يستعين به على غير طاعته وتوحيده والدعوة إلى عبادته كان ذلك أحب الأموال إلى الله وأطيب وجوده اكتسابها عنده.

ومنها انه كان - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر لا لأجل الغنيمة فيحصل له الرزق تبعا لعبادته وجهاده في الله، فلا يكون فرغ وقتا من أوقاته لطلب الرزق محضا، وإنما عبد الله في جميع أوقاته وحده فيها وأخلص له، فجعل الله له رزقه ميسرًا في ضمن ذلك من غير أن يقصده ولا يسعى إليه. وجاء في حديث مرسل أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"أنا رسول الرحمة، وأنا رسول الملحمة، إن الله بعثني بالجهاد ولم يبعثني بالزرع". وأخرج البغوي في معجمه حديثًا مرسلًا:"إن الله بعثني بالهدى ودين الحق ولم يجعلني زراعًا ولا تاجرًا، ولا سخابًا بالأسواق، وجعل رزقي تحت ظل رمحي"، وإنما ذكر الرمح ولم يذكر السيف لئلا يقال: إنه - صلى الله عليه وسلم - يرتزق من مال الغنيمة: إنما كان يرزق مما أفاءه الله عليه من خيبر.

والفيء ما هرب أهله خوفًا وتركوه، بخلاف الغنيمة فإنها مأخوذة بالقتال بالسيف، وذكر الرمح أقرب إلى حصول الفيء لأن الرمح يراه العدو من بعد فيهرب، فيكون هرب العدو من ظل الرمح، والمأخوذة به هو مال الفيء، ومنه كان رزق النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف الغنيمة فإنها تحصل من قتال السيف. والله تعالى أعلم.

وقال عمر بن عبد العزيز: إن الله تعالى بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيا، فكان - صلى الله عليه وسلم - شغله بطاعة الله والدعوة إلى التوحيد، وما يحصل في خلال ذلك من الأموال من الفيء والغنائم يحصل تبعًا لا قصدًا أصليًا، ولهذا ذم من ترك الجهاد واشتغل عنه باكتساب الأموال، وفي ذلك نزل قوله تعالى:"وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" [البقرة159] ، لما عزم الأنصار على ترك الجهاد والاشتغال بإصلاح أموالهم وأراضيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت