وأدركت قريش أن لا قِبل لها بهذه العصابة، والتي تتحين الفرص للانقضاض على القوافل، وهي تعرف - رغم عزتها بالإثم- أن الوحيد القادر علي حسم هذه الأزمة هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو الذي يمتلك صلاحية احتواء العصابة وضمها إلى دولة الإسلام، وهذا الطور يصب في الحرب النبوية فما هي معالمه:
-حين أسر الصحابة - رضي الله عنهم - ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة ثم ربطه في المسجد ثم إعلانه الإسلام، ثم ذهابه إلى مكة ليعلنها: لا واللهِ لا يأتيكم من اليمامة حَبةُ حِنطة حتى يأذن فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -. [البخاري ومسلم عن أبي هريرة] .
-في صلح الحديبية جاء عروة بن مسعود ماشيًا في الصلح وكان مما قاله: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تَنَخَّمَ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له، وقد عرض عليكم خطة رُشْدٍ فاقبلوها.
وقريش تعلم هذه المكانة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقد سمعتها وأدركتها ممن قتلوهم وآذوهم وعذبوهم في مكة، سمعوها من بلال تحت الصخرة على الرمال الحارقة، سمعوها من خبيب على الخشبة مصلوبًا معلقًا، أتحبّ أن محمّدًا مكانك وأنت في أهلك؟ فقال: ما أحب أنّني في أهلي وأنّ محمّدًا يشاك بشوكة، ومثله زيد بن الدثنة - رضي الله عنهم - أجمعين، فلم تجد قريش بُدًا من التنازل.
إنه ليس تنازلًا فقط بل هو إقرار بالمرجعية النبوية على قريش، فعجزهم عن مقاتلة السبعين، يعني العجز المحتم عن مقاتلة النموذج الأعلى، إنها السياسة الجديدة التي يجب أن تقر بها قريش صاغرة، القول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الوحيد - بأمر الله- القادر على إعادة الأمر إلى نصابه: بلدًا آمنًا، وتجارة آمنة.
أدركت قريش هذه الحقيقة وتجرعتها على الرغم من مرارتها، فأرسلت تناشد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالله والرحم أن يكف عن إحراجها بإظهار عجزها عن مقاتلة عصابة الجبال، وأن يلحقهم بجيش الإسلام.
-فرض السياسة النبوية:
من الصعب تحديد الوقت للانتقال من طور لآخر، في حروب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتداخل المواقف وتداخل الواقع أيضًا، فالحالة القرشية مستقلة بذاتها والحالة اليهودية قائمة بمفردها على الرغم من نقاط الالتقاء التي تجمع أهل الوثن بأهل الكتاب، والكل بين مشرك وكافر.
1 -فرض السياسة على قريش:
في الزاد عند حديث الحديبية: وفَزِعَتْ قريشٌ لنزوله عليهم، فأحبَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يبعَثَ إليهم رجلًا من أصحابه، فدعا عمر بنَ الخطَّاب لِيبعثه إليهم، فقال: يا رسول اللهِ، ليس لى بمكة أحدٌ من بنى كعب يغضَبُ لى إن أوذيتُ، فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ بن عفان، فإن عشيرَتَه بها، وإنه مبلِّغٌ ما أردتَ، فدعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عثمانَ بنَ عفان، فأرسله إلى قريش، وقال:"أخبرهم أنَّا لم نأتِ لقتال، وإنما جئنا عُمَّارًا، وادعُهُم إلى الإسلام"، وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين، ونساءً مؤمناتٍ، فيدخُلَ عليهم، ويبشِّرَهم بالفتح، ويخبِرَهم أن الله - عز وجل - مظهِرٌ دينَه بمكة، حتى لا يُسْتَخْفى فيها بالإيمان، فانطلق عثمان، فمر على قريش ببلدح، فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثنى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أدعوكُم إلى الله وإلى الإسلام، وأُخبِركُم أنَّا لم نأتِ لِقتال، وإنما جئنا عُمَّارًا.
وجاء بديل بن وَرْقَاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانت خزاعة عَيْبَة نُصْح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل تُهَامَة، فقال: إني تركت كعبًا بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العُوذ المطَافِيل، وهم مقاتلوك وصادَوك عن البيت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم، ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره".
وجاء سهيل بن عمرو ليكتب الصلح، فَقَال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم:"على أَنْ تخَلُّوا بَيْنَنَا وبَيْن البَيْتِ، فَنَطُوفَ بِهِ"، فقال سهيل: واللهِ لا تتحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنَا ضَغْطَةً، ولكن ذلك مِن العام المقبل.
2 -فرض السياسة على اليهود:
كانت المدينة مجتمعًا مختلط الثقافات والأهواء فغير العرب بتنوع انتماءاتهم الدينية، وكان هناك اليهود، فوقَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاهدة أمان ونصرة معهم، فلما ظهرت خياناتهم أجلاهم قبيلة قبيلة وما جرُأت قبيلة على نصرة أختها، واضطرت صاغرة ذليلة حقيرة أن تنتظر دورها نتيجة لفعلها،"وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ". [آل عمران 117] .