فما الذي دعا قريشًا لأن تستجدي وتناشد وتسأل بالرحم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكف يد هذه العصابة عن حربهم؟
إنه توازن الرعب، ليس بالضرورة التوازن الكمي أو الكيفي لعدد وقدرات الأفراد، بقدر ما هو عجز قرشي عن وضع حد لهذه القلة التي أرقت مضجعها وأقعدتها عن ممارسة تجارتها بأمان.
دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الطور مع قريش في"بدر"بعد الانتصار المذهل في المعركة، ومع أن المحصلة في"أحد"كانت بالتحيز أكثر منها صبًا في وعاء الكفار حتى إنهم لم يتمكنوا من دفن موتاهم فضلًا عن الغنيمة أو الأسر، مع ذلك فقد وضعتها قريش في سلتها، وولت كحمر مستنفرة فرت من قسورة، ليلحقها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في"حمراء الأسد"، يقول أبو سفيان مقرًا بهذا الطور أمام أعظم ملوك الأرض في ذلك الحين، جاء في الحوار كما عند البخاري: قال-هرقل: فهل قاتلتمونه؟
قلت - أبو سفيان: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟
قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه.
-ومن مظاهره:
1 -التصرف ككيان مستقل في قراراته واختياراته، لا تخضع للضغوط ولا تتقبل الإملاءات، بل تنبع من فهمها للعقيدة التي يتبناها الأفراد، وهو ما ألزم أبا بصير ومن معه حين وصلتهم رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للالتحاق به، فلم يتوانوا أو يتخلفوا أو حتى تكون لهم أدنى شروط، بل كان جوابهم: سمعنا وأطعنا، مع أن عين أبي بصير لم تقر بلقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا بعد هذه الحرب، ولكنها الآن ترقد بسلام واطمئنان في الجنان مع محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه - رضي الله عنهم -.
2 -التفرد بالممارسات الحربية التي تطال العدو وتؤثر في الاقتصاد ركن بنيانه، ومع ذلك لا تجد قريش مناصًا من الارتماء في أحضان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو إن شئنا قلنا التذلل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكف يد العصابة عنهم، وما ذاك إلا لأنهم امتلكوا أداة الحرب التي فقدتها قريش.
فالعصابة ليس لها ما تبكي على فقدانه، بل ليس عندها ما تخسره، كل عزيز وغال ونفيس تركته في مكة لله إما اختيارًا وإما جبرًا من أعداء الدين، وعليه فليس هناك ما يتباكون عليه أو يصلح أن يكون ورقة ضغط عليهم.
3 -تواجدهم عند"سيف البحر"بين صحراء وجبال وبحر، لا يُعرف لهم قرار ولا يُلجئهم ملجأ، بل الدنيا ملكهم وهم ملوكها، نذروا أنفسهم ليدوسوا أنف قريش وليثخنوا فيها الجراح بين قتل وأسر واغتنام، ثم لا تجد قريش سبيلًا لا للقضاء عليهم، بل الحد من نشاطهم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيرق لهم ويتألف قلوبهم، بعد كل الذي فعلوه، وحسبه أنه نبي فعليه الله صلى وعليه الله سلم.
4 -بالرغم من التوازن الخاص الذي كان يعيشه أبو بصير مع قريش على أنه قوة مستقلة، ولكنه كان في الإطار العام - بلا تقييد - ضمن الخطوط العريضة للعمل الإسلامي والالتزام الشرعي، فها هو يعرض تخميس سلب القتيل من أول يوم، وها هو يرسل العاص بن الربيع صهر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، هدية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وها هو يتبع قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"مسعر حرب"، ومن ثم يتبعه الرجال بصدى الكلمة الذي جاب الآفاق،"لو كان معه رجال"وقد أتى الرجال، ليثبتوا أن أمة الإسلام واحدة وباب الجهاد لن يُغلق بإذن الله لصلح أحد أو أمان آخر.
-الطور الثالث: طور فرض السياسة:
تجسدت هذه المرحلة بعد انحياز السبعين المستضعفين وعلى رأسهم أبو جندل لتتكون أول عصابة تؤمن بالإسلام، ولا تأتمر بأوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المباشرة، فهي خارج حدود الإمارة الإسلامية ولا تتبع"الجيش"ولا يشملها الصلح، ولكنهم يعلمون أن المرجعية الأعلى هي للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو القادر على إيواء أبي بصير بمن معه، فما السياسة التي فرضها أبو بصير؟
1 -إن أردتم الصلح فهو عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن ليس بموقف القوي، بل بموقف الخانع المتذلل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكف يد العصابة عنهم.
2 -لنا الحق في الإغارة في الوقت الذي نريد، وقوافلكم وأموالهم ورجالكم في حِل من سيوفنا، وان موعدكم الصبح فأتونا بخيلكم ورجلكم إن استطعتم.
3 -الاستضعاف انتهى وقته إلى غير رجعة، والتسلط القرشي قد أفل نجمه إلى غير أوبة، وإن كانت دار الهجرة المدينة، فالآن هما جهتان وللمسلمين الحق في الاختيار، ويلزم قريش الموافقة طوعًا أو كرهًا.
4 -رجال الإسلام لا يكفرون بعد أن يملأ الإيمان قلوبهم، ومن امتلأ قلبه بالله، فالموعد يوم القوافل ساعتها تُدرك قريش من الرجال.