الصفحة 190 من 216

أما أبو بصير فقد ارتبط مجيئه للمدينة مهاجرًا، بحادث سبقه في أحلك الأوقات عند إقرار العقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين سهيل بن عمرو، حين جاء أبو جندل للرسول - صلى الله عليه وسلم - وطلبه أبوه سهيل فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهنا أتى أبو بصير فأرسلت قريش في طلبه أيضًا، ظنًا منها أن ذلك يوهن من عزم الإسلام ورجاله.

3 -دخل أبو بصير في مرحلة إثبات الذات بالقوة حين قتل من جاء ليرجعه إلي الكفار، ثم مطاردته للآخر حتى احتمى برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم سلبه للقتيل ومن ثم الانحياز للجبل، والإغارة علي قوافل قريش مما أزعجها وأرهقها وأعجزها عن القبض عليه، فاضطرت صاغرة أن ترجو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُدخله في حِلفه.

4 -تحيُز أبو بصير للجبل كان يعني أن من يرسم معالم"حرب العصابات"هم الرجال أنفسهم، فهم الذين يقررون الحرب في الوقت الذي يشاؤون وبالكيفية التي يشاؤون، وهو ما أقلق قريش خصوصًا أنه يستهدف أهم مصدر من مصادر رزقهم، التجارة والتي كانت تمثل العمود الفقري للقوة الاقتصادية القرشية.

5 -إثبات الذات تمثل في التحاق ما بين الستين والسبعين من رجال مكة وعلى رأسهم أبو جندل إلى أبي بصير، ليشكلوا أول قوة عسكرية خارج إطار الدولة الإسلامية تنغص على قريش حياتها.

هذا الواقع في تصوره لا يختلف جوهريًا عن الحالة التي عاشها وطبقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقعًا حيًا، وقد تمثل في سبع سرايا وغزوات تستهدف قوافل قريش في ذهابها وإيابها، وهذا يعني أن هؤلاء الرجال لا يهابون المعارك، فحين كانت حامية قافلة أبي جهل ثلاثمائة، كانت سرية حمزة تتكون من ثلاثين رجلًا وهي أول سرية خرجت في سبيل الله.

فعدد هذه الإغارات في أقل من عام يُضفي جوًا من الرعب عند خروج كل قافلة، وهو ما لم يكن في حسبان قريش فيما سبق، كيف لا والله قد أثنى علي نفسه سبحانه بالمن على قريش بالأمن في رحلة الشتاء والصيف، ولكن الحال الآن انعكس بما أرهق قريش واضطرت معه للاعتراف بهذه القوة الجديدة، قال صفوان بن أمية قائد إحدى القوافل المتجهة إلي الشام: إن محمدًا وصحبه عَوَّرُوا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى الحبشة في الشتاء. [السيرة النبوية] .

خرجت السرايا والبعوث وبعضها كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائدها تقصد عير قريش،"بدأت التحركات العسكرية فعلًا بعد نزول الإذن بالقتال وكانت أشبه بالدوريات الاستطلاعية، وكان المطلوب منها:"

-إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم.

-إنذار قريش عُقبَى طيشها، حتى تفيق عن غَيها الذي لا يزال يتوغل في أعماقها، وعلها تشعر بتفاقم الخطر على اقتصادها وأسباب معايشها فتجنح إلى السلم، وتمتنع عن إرادة قتال المسلمين في عقر دارهم، وعن الصد عن سبيل الله، وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين في مكة، حتى يصير المسلمون أحرارًا في إبلاغ رسالة الله في ربوع الجزيرة. [الرحيق المختوم] .

وقد أدركت قريش هذا الخطر وهو ما دعاها لأن تعيش حالة القلق والاضطراب عند كل رحلة، خصوصًا"بعد وقوع ما وقع في سرية عبد الله بن جحش تحقق خوف المشركين وتجسد أمامهم الخطر الحقيقي، ووقعوا فيما كانوا يخشون الوقوع فيه، وعلموا أن المدينة في غاية من التيقظ والتربص، تترقب كل حركة من حركاتهم التجارية، وأن المسلمين يستطيعون أن يزحفوا إلى ثلاثمائة ميل تقريبًا، ثم يقتلوا ويأسروا رجالهم، ويأخذوا أموالهم، ويرجعوا سالمين غانمين، وشعر هؤلاء المشركون بأن تجارتهم إلى الشام أمام خطر دائم، لكنهم بدل أن يفيقوا عن غيهم، ويأخذوا طريق الصلح والموادعة - كما فعلت جهينة وبنو ضمرة - ازدادوا حقدًا وغيظا، وصمم صناديدهم وكبراؤهم على ما كانوا يوعدون ويهددون به من قبل: من إبادة المسلمين في عقر دارهم، وهذا هو الطيش الذي جاء بهم إلى بدر. [الرحيق] ."

والمقصود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتقل من حالة الاستضعاف طوال الثلاثة عشر عامًا، إلى مرحلة إثبات القوة الإسلامية، وأن زمن الاستضعاف قد أفل نجمه إلى غير رجعة، وأن هناك قوة جديدة لا تستطيع قريش إنكارها، وهذا ما دعاها لخوض غمار حرب عسكرية قادتها إليها أقدار الله.

-الطور الثاني: طور التوازن:

وهو يعني الاقرار بقوة الخصم على أنها قوة لا تُكسر، أو الاعتراف بالعجز عن كسرها، وقد تمثل في مناشدة قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالله والرحم أن يُلحق أبا بصير ومنه معه بإمارة الدولة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت