الصفحة 38 من 216

وكان ذلك إيذانًا لفتح جبهة أخري من جبهات القتال، ألا وهي مقارعة الروم في معركة مؤتة، والتي جاءت بعد موادعة قريش بما يؤدي لتأمين المدينة من جهة قريش، ثم ما تلا ذلك من فتح لخيبر، والأمن من طرف اليهود أن يقوموا بخطة تطويق للمدينة وجيش الإسلام خارجها.

وبذلك يؤمِّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبهتين قبل الإقدام على حرب الروم الجبهة القرشية والجبهة اليهودية، فلم يبق إلا غطفان كقوة عربية في مواجهة قوة الإسلام.

-تأمين الظهر من جهة مكة لفتح الطائف:

كانت رؤوس المكر في الجزيرة ثلاثة غير القبائل العربية، ولكن القوة كانت تتمثل في قريش الرأس وخيبر وغطفان كجناحي صقر يتأهب للانقضاض على المدينة كلما حانت الفرصة، وهم لم يدخروا جهدًا في الإغارة على المدينة كما جاء عند ابن هشام وغيره: أغار عيينة بن حصن الفزاري، في خيل من غطفان على لقاحٍ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغابة، وفيها رجل من بني غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل، واحتملوا المرأة في اللِّقاح.

هذا بخلاف تحالفهم الواضح البين مع قريش واليهود في الأحزاب، يُضاف لهذا نقضهم العهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي وقَّعه عيينة في غزوة دومة الجندل، لذلك كان لابد من وضع حد لهذا التيار المنحرف في غطفان.

انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مقارعة اليهود وحسم القوة في خيبر لصالح المسلمين، ثم كان نقض العهد من قريش فسار إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفتحها، مع إسباقية محاربة الروم في مؤتة، لم يبق بعد الفتح العظيم إلا الاستدارة لجناح الكفر الثالث، فالقضاء عليه يعني القضاء على آخر معاقل القوة عند الكفار، وهذا ما كان في حنين والطائف بعد فتح مكة مباشرة.

-تأمين المدينة في غزوة الخندق:

لما سارت جيوش الكفر والإلحاد صدًا عن دين الله ومحاربة للإسلام، وكان عددها أكبر من أن يخوض معه المسلمون مواجهة عامة - وما يُعجزهم بفضل الله - فاستشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبار أصحابه فكان رأي سلمان - رضي الله عنه: يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنَا علينا، وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك.

وفعلًا كان لهذا الرأي الوقع العظيم على مجريات المعركة، فقد وقف فوارس قريش على الخندق ليعلنوا العجز عن المُضي فيه ليقولوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.

قال ابن القيم: وخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصَّن بالجبل من خلفه، وبالخندق أمامهم.

وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنِّسَاءِ والذرارى، فَجُعِلُوا في آطامِ المدينةِ، واستخلف عليها ابنَ أُمِّ مكتوم.

"الحرب التبادلية"والتي نعني بها مبادلة كل طرف لحالة العداء للطرف الآخر، وما يتبعه من إعلان حالة الحرب بينهم، وهو ما يؤدي بدوره إلى الحرب الفعلية التي تنتهي بالانتصار أوالهزيمة.

ينشأ خطأ عند بعض العاملين في المجال الدعوى ممن ينبري للدفاع عن الإسلام أو مهاجمة الخصوم، وآخرين ممن تبنوا السيرة كمنهج إعادة للخلافة الإسلامية، نقول ينشأ خطأ عندهم بناءً على اعتمادهم لمصدر واحد من المصادر لفهم المسائل، وقد ظهر جليًا خطأ الكثير ممن كتب وأرشد ووجه ونصح بناءً على قراءته الفردية لابن هشام مثلًا كمصدر وحيد من مصادر التأريخ للسيرة وأسبابها ومبرراتها، وهم مع ذلك يقعون في خطأ مركب بتبنيهم وجهة نظر معينة كاعتبار حروب الرسول - صلى الله عليه وسلم - دفاعية فقط لتحسين صورة الإسلام - بحسن ظنهم - ولو أعادوا النظر في غير"سيرة ابن هشام"ممن كتب في السيرة وصنف، ستتفتح عندهم آفاق الفهم ومدارج الإدراك ليستوعبوا منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحروب.

ما سبب خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعير قريش؟ هل كانت استردادًا لبعضٍ مما تركه المسلمون بمكة عند الهجرة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت