ومالك، وأين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقِطٍ وسَمْنٍ، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صُفْرَة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"مَهْيَمْ؟"قال: تزوجت، قال:"كم سقت إليها؟"قال: نواة من ذهب.
وروي عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال:"لا"، فقالوا: فتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا.
وهذا يدلنا على ما كان عليه الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهم المهاجرين، ومن التضحية والإيثار والود والصفاء، وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا الكرم حق قدره، فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أودهم.
وحقًا فقد كانت هذه المؤاخاة حكمةً فذةً، وسياسةً حكيمةً، وحلًا رشيدًا لكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون.
-ميثاق التحالف الإسلامي:
قال صاحب الرحيق: ميثاق التحالف الإسلامي:
وكما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعقد هذه المؤاخاة بين المؤمنين، قام بعقد معاهدة أزاح بها ما كان بينهم من حزازات في الجاهلية، وما كانوا عليه من نزعات قبلية جائرة، واستطاع بفضلها إيجاد وحدة إسلامية شاملة، وفيما يلي بنودها ملخصًا:
"هذا كتاب من محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم:"
-إنهم أمة واحدة من دون الناس.
-المهاجرون من قريش على رِبْعَتِهم يتعاقلون بينهم، وهم يَفْدُون عَانِيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وكل قبيلة من الأنصار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
-وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
-وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسِيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين.
-وإن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم.
-ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر.
-ولا ينصر كافرًا على مؤمن.
-وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم.
-وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.
-وإن سلم المؤمنين واحدة؛ لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.
-وإن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
-وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن.
-وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول.
-وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
-وإنه لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صَرْف ولا عَدْل.
-وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله - عز وجل -، وإلى محمد - صلى الله عليه وسلم -.
-تأمين الجزيرة لفتح الروم:
كانت قريش تشكل عمود فقار الكفر، فبها تصول القبائل وبها تجول، وكان للتحول العظيم باتجاه الاعتراف القرشي بالقوة الإسلامية، ثم الرضوخ لقراراتها، ومن ثم التنازل عن حالة العداء ليتحول إلي الموادعة السلمية عشر سنوات، كان لهذا الموقف عظيم الأثر في التفرغ لحرب من يُعلن الحرب علي الدولة الإسلامية.
ولكن ما كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج لمحاربة العدو البعيد وهو لا يأمن جانب الملاصق بجداره، والله تعالى يقول:"قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ" [التوبة123] .