أولًا: تعارف الكتّاب حديثًا على بعض الأنماط والتي لا تتلاقي مع القدماء، والحديث يصب في مسار التنسيق والترتيب، وهنا تم اعتماد أسلوب الأقدمين: ففي داخل الموضوع الواحد قد يخرج الحديث عمّا وُضع لأجله، ولكنه يبقى في دائرة المقصود، وفي هذا مشابهة لأسلوب ابن تيمية وابن القيم في طرحهما للمسائل، بحيث يُشرقا ويُغربا دون الانضباط بقواعد معينة في الاستقراء والاستدلال والأخذ والعطاء.
ثانيًا: أغفلنا طريقة المحدثين في وضع حاشية وهامش، ليكون الموضوع بصلبه وهامشه وحاشيته متصلًا كالجسد الواحد، فلا يتشتت ذهن القارئ فيما لا يلزمه كرقم الجزء والصفحة، فالاختلاف في الطبعات من الكثرة بحيث يصعب تحديده، وأيضًا فذكر واحدٍ من المصادر المخرجة للأحاديث يغني عن ذكر غيره، فإنَّ السيرة تختلف في الطرح، أما الأصول فثابتة، إلا ما يكون من اختلاف في ترتيب الأحداث حسب اجتهاد المصنف، وهكذا أغفلنا ذكر كثير من المصادر واكتفينا إلا عند الحاجة بابن القيم في"زاد المعاد"والمباركفوري في"الرحيق المختوم"، للاختصار والاستغناء بتدقيقهما عن غيرهما، ولشهرة الكتابين وقدرة القارئ على الحصول عليهما، أما مضمون السيرة فهو بعينه أو باختلاف لا يؤثر في المضمون كالسيرة عند ابن هشام أو ابن كثير في البداية والنهاية والذهبي في السير وابن سعد في الطبقات.
ثالثًا: اعتمدنا في الترتيب الترتيب الهجائى وهو ما لم نعتمده حين الكتابة، وحتى لا يتكرر ذكر الحديث أو الأثر مع قصته بطوله اعتمدنا طريقة البخاري في تقسيمه للأحاديث في أكثر من موضع في كتابه، فهنا باختصار وهناك بإجمال، وفي مكان برؤية معينة، وفي موضع آخر ببصمة أخرى، وربما اكتفينا بالشاهد إن كان يُغني وربما طرحنا طرفًا من الحديث المجمل إن كان يلزم، ولأن الحديث كان بما يشبه الإملاء على رجال العمل الاسلامي، فكان لابد من التكرار في بعض المواضع لاحتمال غياب ما قيل في السابق عن الذاكرة فوجب التكرار، ولن تعدم الفوائد من سيرة نبيك - صلى الله عليه وسلم -.
رابعًا: استفدنا كثيرًا من كتاب وخطباء أثروا في تفكيرنا بعضهم ظهر أثره، وبعضهم غفلنا عن ذكره، وحسبنا أن الله يعرفهم، وما ندعي جديدًا في الطرح فهو مما استقيناه ممن سبقنا وعاصرنا فجزى الله من علمنا أو فهمنا أو أرشدنا بحرف أو كلمة.
خامسًا: هل تلزم الصحة في رواية التاريخ؟
أخذنا في المسألة بالمذهب المخفف للرواية لتعذر استقراء الحروب في الصحيح، ولصعوبة الرواية التاريخية بالسند، ولأن العلماء لم يلزموا كتاب السيرة بشروط الحديث الشريف، ومع أن تضافر الروايات لا يصحح الرواية، لكنه يجعل لها أصلًا يُمكن الاعتماد عليه، وعُذرنا: الاعتماد على ضعيف السيرة خير لنا من الاعتماد على الكفار في تقسيماتهم للحرب.
سادسًا: لا يكفي ما نقوله أن يكون أصل شرعي تُبني عليه الأحكام، فمظان التشريع معروفة مصادرها، ولكنه طرح قد يلحقه إن قدر الله إسهاب في الشرح، لذلك ربما يظهر إغفال الاختلاف الفقهي الذي يُوسع دائرة الاختلاف، خصوصًا أن العاملين في المجال الحربي لا يمتلكوا ملكة الفصل بين الأقوال واستخراج الصحيح منها، فالمُشاهَد أن الأخذ يكون حسب تقديرهم للمصلحة التي يقتضيها الموقف.
ليس في هذا تعديًا على المحرمات، ولكن استقراء حروب الصحابة - رضي الله عنهم - ظهر فيها كثير من المواقف التي تجعل لنا أصلًا نطرحه فنقول: لا يعتمد الجيش في أكثره على العلماء، بل يكون فيهم من لا يعلم إلا شهادة التوحيد ولم يسجد لله سجدة، وفيهم قليل العلم وواسع الجهل بالتشريع وهذا معلوم باتفاق العقلاء، وقد يظهر في أثناء المعركة تجاوزات يفرضها واقع المعركة أو البُعد عن مركز القيادة، أو الانقطاع عن العلماء أو الدعاة، فيضطروا للاجتهاد وهنا تظهر الأخطاء وأي أخطاء؟!
هذا فضلًا عن اجتهاد العاملين والمقاتلين الذين يمتلكون ملكة الاستنباط.
اجتهد الرماة في أحد فأخطؤوا.
واجتهد خالد فقتل من أخطأ التعريف بالإسلام.
واجتهد أسامة فقتل من نطق كلمة التوحيد.
واجتهد عمرو فصلى بتيمم من جنابة في وجود الماء.
واجتهد أبو عبيدة فأكل حوت البحر.
واجتهدوا في رجل أُصيب وأجنب هل يتيمم أو يغتسل، فاغتسل فقتلوه كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ما سقناه وغيره كثير يؤيد أن المجاهد يُغفر له كثير من اجتهاده، بل الجهاد في ذاته كفارة للذنوب.