وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند حديث حاطب - رضي الله عنه: وفيه هتك ستر الجاسوس وقد استدل به من يرى قتله من المالكية لاستئذان عمر - رضي الله عنه - في قتله، ولم يرده النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك الا لكونه من أهل بدر، ومنهم من قيده بأن يتكرر ذلك منه، والمعروف عن مالك: يجتهد فيه الإمام وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه.
وقال الشافعية والأكثر: يعزر وإن كان من أهل الهيئات يُعفى عنه، وكذا قال الأوزاعي وأبو حنيفة يُوجع عقوبة ويُطال حبسه.
-هل يصل التعزير لحد القتل؟
قال شيخ الاسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: هل يجوز أن يبلغ بها [التعزير] القتل مثل قتل الجاسوس المسلم؟ في ذلك قولان أحدهما: قد يبلغ بها القتل فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة، وهو قول مالك وبعض أصحاب أحمد كإبن عقيل، وقد ذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعى وأحمد في قتل الداعية إلى البدع، ومن لا يزول فساده إلا بالقتل، وكذلك مذهب مالك قتل الداعية إلى البدع كالقدرية ونحوهم.
والقول الثانى: أنه لا يقتل الجاسوس وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى والقاضى أبي يعلى من أصحاب أحمد، والمنصوص عن أحمد التوقف في المسألة.
وقال في الفتاوى الكبرى: وكما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل المُفرق بين المسلمين لما فيه من تفريق الجماعة، ومن هذا الباب الجاسوس المسلم الذي يخبر بعورات المسلمين.
قال ابن القيم في الزاد: فصل: في جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلمًا:
وفيها - أي فقه قصة حاطب - رضي الله عنه: جوازُ قتل الجاسوسِ وإن كان مسلمًا لأن عمر - رضي الله عنه - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتلَ حاطب بن أبى بَلتعةَ لما بعثَ يُخبر أهلَ مكة بالخبر، ولم يقل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: لا يَحِلُّ قتله إنه مسلم، بل قال:"ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم"، فأجاب بأن فيه مانعًا من قتله، وهو شهوده بدرًا، وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوسٍ ليس له مِثْلُ هذا المانع، وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعى وأبو حنيفة: لا يُقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون بقصة حاطب، والصحيح: أن قتله راجع إلى رأى الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلحَ، استبقاه. . . والله أعلم.
المرأة المسلمة نصف المجتمع ودورها في بناءه أكبر من أن يُذكر وأشهر من أن يُنشر، فهي الراعية والمُربية والمُناصرة والمُعينة، وهي المُساندة والداعمة وهي خلف كل عظيم، باختصار إنها مدرسة الرجال ومزرعة الأفكار ...
في الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه الألباني عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"النساء شقائق الرجال".
والسؤال: هل لتلك العظيمة دور في الجهاد والدفاع عن حُرمة المسلمين وصون بيضتهم، والذود عن دينها ونصر إسلامها بالجهاد دفعًا كان أو طلبًا؟
لن ينصب الحديث على الناحية الفقهية للأمر- فهو حديث آخر ومكانه بحث آخر مع كثير من متعلقاته- بقدر ما هو استعراض لما قام به ذلك الرعيل الأول.
الجهاد بالسيف ليس بواجب على المرأة عند جمهور العلماء، ويكاد يكون اتفاقًا لحديث عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ قَالَ:"نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَة"ُ [أحمد وابن ماجه برواة ثقات] .
ومع وضوح قول عائشة وسؤالها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجواب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لها، سنرى بالأدلة البينة، الواضحة الجلية عِظم دور المرأة في الجهاد، وخروجها غازيةً في سبيل الله وناصرةً للرجال، بل ومُقَدَمَة على الرجال في مواطن كثيرة.