الثالث: أنه يجب لمن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب، قال ابن المنذر وهو قول جمهور أهل العلم وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، وبه يُجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث.
أما الدعاء بالهداية والرغبة في إسلام العرب والطمع في دخول المشركين في الدين، فقد تجلي في عدة أحاديث منها ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسول الله، إن دوسا عصت وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال:"اللهم اهد دوسا وأت بهم"، قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري: كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحب دخول الناس في الإسلام، فكان لا يعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام، بل كان يدعو لمن كان يرجو منه الإنابة، ومن لا يرجوه ويخشى ضره وشوكته يدعو عليه"."
-لا يُقتل غدرًا:
قال تعالى:"وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ" [الأنفال 58] ، قال الشوكاني: والمراد إخبار المشركين بأن الذمة قد انقضت وإيذانهم بالحرب إن لم يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه عن سليمان بن عامر قال: كان معاوية يسير بأرض الروم وكان بينه وبينهم أمد فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول: اللّه أكبر اللّه أكبر وفاء لا غدر، أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال:"من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدنها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم عهدهم على سواء فبلغ ذلك معاوية فرجع فإذا الشيخ عمرو بن عبسة".
-النهي عن المثلة:
قال القرطبي في قوله تعالى:"وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" [المائدة8] قال: دلت الآية على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه, وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق, وأن المثلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدا لإيصال الغم والحزن إليهم، وهذا مذهب القرطبي في المنع ومذهب غيره الجواز ولكن قبل المعركة أما بعدها فلا، قال: قال ابن عبد البر في الاستذكار: والمثلة محرَّمة في السنة المجمع عليها، وهذا بعد الظفر، وأما قبله فلنا قتله بأي مثلة أمكننا.
ومال النووي للكراهة في شرحه على صحيح مسلم، ورأي ابن حزم في المحلى أن النهي مرتبط بما لم يجئ فيه النص، فقال: المثلة ما كان ابتداءً فيما لا نص فيه، وأما ما كان قصاصًا أو حدًا، كالرجم للمحصن أو كالقطع أو الصلب للمحارب فليس مثلة.
وأجمل البيان الإمام ابن تيمية جمعًا بين الأدلة والأقوال فقال في مجموع الفتاوى: المثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها والصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد، ولا يكون نكالًا لهم عن نظيرها، فأما إن كان في التمثيل الشائع دعاء لهم إلى الإيمان، أو زجر لهم عن العدوان، فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد المشروع، ولم تكن القضية في أُحُد كذلك، فلهذا كان الصبر أفضل، فأما إن كانت المثلة حقًا لله تعالى فالصبر هناك واجب، كما يجب حيث لا يمكن الانتصار ويحرم الجزع.
العقوبة أربعة أنواع: حدود وجنايات وتعزير ومخالفات.
أما الحد: فهو مما يرتبط بالمسلمين، وهو مُقدر مُحدد مُشرع على معاصٍ معروفة، وهو من حق الله لا يجوز لا للحاكم أو غيره إسقاطه أو تخفيفه.
وأما الجناية: فهي التعدي على مال أو بدن الغير، والعقوبة هنا من حق العبد، فله العفو وله القصاص، وهي مُقدرة بمثل التعدي ولا تجوز الزيادة.