وأما التعزير: فهو عقوبة على معصية لا حد فيها ولا كفارة، وعليه فهو غير مقدر ولا لازم بل يعود في ذلك إلى تقدير المصلحة، بما يزجز الآخرين عن ارتكاب تلك التعديات، وفي التعزير تخفيف عن الحد أو الجناية ففيه العفو وفيه الاعذار.
وأما المخالفات: فهي العقوبات التي يوقعها الحاكم على من يخالف أمره، سواءً بالأوامر أو النواهي، وسواءً كان مخالفة له أو لأحد ولاته أو معاونيه، والأصل فيها قيام الخليفة بأمر الله وأي مخالفة لما أمر به من تقدير المقادير أو الأعطيات أو التقسيم والهبات فهو ضمن الأصل:"أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ" [النساء59] .
هذه هي العقوبات ولا يوجد غيرها أو من يخرج عنها، ففيها الكافر والمسلم وغيرهما من مشركين أو ملحدين أو وثنيين.
وقد استوعبت حروب الرسول - صلى الله عليه وسلم -"الحرب العقابية"بلا ظُلم أو جور أو تعدي أو مجاوزة للحد، بل كان مما يزجر ويردع وينهى الآخرين وهو من باب:"فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ" [الأنفال57] .
ومع أن العفو كان من شيم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعليه تضافرت الأدلة، فهو الذي كان يتنازل عن الإساءة بحقه وهذا من حقه في حياته، لأنها من الحقوق الآدمية الخاصة وللرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتنازل عنها أو يعفو عن فاعلها مثل عفوه عن اليهودية التي سمته، أو الأعرابي الذي شهر عليه سيفه، أو اليهودي الذي جبذ الرداء وعلا في الصوت وآذى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بآبائه وأجداده، أو هند التي أكلت كبد حمزة، وقريش وما فعلته برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليقول: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم.
فالعفو أصل والعقوبة حق ولها أحوال:
-ادعاء النبوة:
في البداية والنهاية لابن كثير: كان الأسود مشعوذًا يريهم الأعاجيب، وكان أول ادعائه النبوة عندما بلغه مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ... وكانت ردته أول ردة في الإسلام على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد خرج في سبعمائة مقاتل وكتب إلى عمال النبي - صلى الله عليه وسلم: أيها المتمردون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم فنحن أولى به وأنتم على ما أنتم عليه ... ثم ركب فتوجه إلى نجران ... فخرج إليه شهر بن باذام فتقاتلا فغلبه الأسود، وقتله ... وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المسلمين في اليمن كتابًا يأمرهم بقتال الأسود .. وعمل المسلمون على قتل الأسود مصادمة أو غيلة، وقد قتله فيروز الديلمي ومن معه - رضي الله عنهم -.
-محاولة قتل الرسول - صلى الله عليه وسلم:
في الزاد عن سبب غزوة بني النضير: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم لِيعينوه في دية الكلابيين لما بينه وبينهم من الحلف، فقالوا: نعم، وجلس هو وأبو بكر وعمر وعلي، وطائفة من أصحابه، فاجتمع اليهود وتشاوروا، وقالوا: مَن رجلٌ يُلقِى على محمَّدٍ هذه الرَّحى فيقتله؟ فانبعث أشقاها عمرو بن جِحاش لعنه الله، ونزل جبريلُ مِن عند رب العالمين على رسولِهِ يُعلمه بما همُّوا به، فنهض رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من وقته راجعًا إلى المدينة، ثم تجهَّز، وخرج بنفسه لِحربهم.
وهنا تظهر الرحمة النبوية فقد كانت عقوبة بني النضير الاجلاء جميعًا، وهو تخفيف من الرسول بعد محاصرتهم وارادته قتالهم، وقد عفا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن زينب بنت الحارث حين وضعت له السم في الذراع، وهو من حقه فلما مات البراء قتلها به.
وفي الموقفين كانت ارادة القتل عند اليهود واضحة ولكنه عفا - صلى الله عليه وسلم -، وكما قال كعب بن زهير - رضي الله عنه: نبئت أن رسول الله أوعدني ** والعفو عند رسول الله مأمول.
-قتل أحد المسلمين:
في الزاد: قال أبو داود عن أبي سلمة: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أهدت له يهوديةٌ بخيبرَ شاةً مَصْلِيَّةً. . . وذكر القصة، وقال: فمات بشرُ بن البراء بن مَعرور، فأرسل إلى اليهودية:"ما حملكِ على الذي صنعت؟"قال جابر: فأمر بها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقُتِلَتْ.
قلت (القائل ابن القيم) : كلاهما مرسل، ورواه حمَّاد بن سلمة ... عن أبى هريرة متصلًا: (انه قتلها لما مات بشر بن البراء، وقد وُفِّقَ بين الروايتين، بأنه لم يقتُلْها أولًا، فلما مات بشر، قتلها.