ومن المشتقات: الحِرَابة ومعناها في الفقه: قطع الطريق وإحداث الفوضى وسفك الدماء وسلب الأموال وهتك الأعراض وإهلاك الحرث والنسل. وهناك الحَرَب، ومعناه: الويل والهلاك، وفيه يقول الشاعر:
إذا غدا مَلِك باللهو مشتغلًا
فاحكم على ملكه بالويل والحَرَب.
"الحرب الإعلامية"إنها بأبسط تعريفاتها:"فن الانتصار بدون حرب"، وهي في الأغلب تسعى للسيطرة على عقل وقلب الخصم بحيث تصنع ضبابية في الفهم والتصور، إنها تقوم علي صُنع هالة أمام أعين الخصم، يعجز معها عن تقدير قوة خصمه بما يُمكِّن للطرف المستهدِف السيطرة العقلية والروحية على المستهدَف.
وللحرب الإعلامية وسائل من يمتلكها ينجح بقدر ما يوليه لهذه الحرب من أهمية، وللحق فقد استطاع الكفار السيطرة على أفهام الكثير من الناس بفضل الجهد الجبار الذي يمارسوه في حربهم الإعلامية، وما ذاك إلا لخروج المسلمون من حصنهم الذي يقيهم سهام الرامين والدرع الذي يحميهم من طعنات الطاعنين، ليلجوا في مستنقع الجاهلية والاعلام الكافر بمحض إرادتهم، فيصدقوا الكاذب ويؤمنوا الخائن"وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" [آل عمران 117] .
تعتمد"الحرب الإعلامية"على عدة نقاط ضرورية لتكتمل دائرة السيطرة على الخصم:
-التهويل من قدرة المستهدِف والتهوين من قدرة المستهدَف.
-تبرير الحرب بالأخلاق والمبادئ، والتشكيك بأحقية الخصم بالحُكم.
-تمييع المصطلحات بحيث يُحار في فهمها (كالارهاب والتطرف) ، ومن ثَم يعجز عن مواجهتها.
-الكذب في النتائج واستباق حدوثها، وكأنَّ الحرب قد انتهت والقوات قد استسلمت وفي الحقيقة أنها لم تبدأ بعد.
-إضفاء نوع من القداسة على رموز المستهدِف.
وللحق أيضًا فالحرب الإعلامية في مُجملها تقوم على الكذب والتضليل والخداع والتمويه، ولكنها في النظرية الإسلامية جاءت كأسمى ما تكون عليه الأطروحات، وقد اعتمدت على الحقائق والوقائع المحسوسة والملموسة، وإنْ داخلها بعض المفاهيم كـ"الحرب خدعة"، ولكنها في أضيق الحدود وللوصول إلى الحق، وهي جزء من الحرب وليس كلها مع جوازها.
ومن الأدلة على حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على"الحرب الإعلامية"ما جاء في زاد المعاد وابن هشام:"خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بنى لِحْيَان بَعْدَ قُرَيْظَةَ بستة أشهرِ لِيغزوهم، فخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في مائتي رجل، وأظهر أنه يُريد الشام، واستخلف على المدينة ابنَ أُمِّ مكتومٍ، ثم أسرعَ السير حتى انتهى إلى بطن غُرَانَ، وادٍ من أودية بلادهم، وهُوَ بين أمَج وعُسفان حيث كان مُصابُ أصحابه، فترحَّم عليهم ودعا لهم، وسَمِعَتْ بنو لِحْيَان، فهربُوا في رؤوسِ الجبال، فلم يقدر مِنهم على أحد، فأقام يومين بأرضهم، وبعث السرايا، فلم يَقْدِرُوا عليهم، فسار إلى عُسفان، فبعث عشرة فوارس إلى كُراع الغَمِيم لِتسمعَ به قُريش، ثم رجع إلى المدينة".
وظهر حرصه - صلى الله عليه وسلم - على"الحرب الإعلامية"فيما ذكره صاحب الزاد في مرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة المريسيع، قال رأسُ المنافقين ابنُ أبَىّ: لئنْ رجعنا إلى المدينةِ، ليُخرِجَنَّ الأعز منها الأذَلَّ، فبلَّغها زيدُ بن أرقم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء ابنُ أبىٍ يعتذِرُ ويحلِفُ ما قال: فَسَكَتَ عنهُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل اللهُ تصديقَ زَيْدٍ في سُورة المنافقين، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأذنه، فقال: أبْشِرْ فَقَدْ صَدَقَكَ اللهُ، ثمَّ قَالَ: هذَا الذي وفى للهِ بأذنه، فَقَالَ لَهُ عُمَر - رضي الله عنه: يا رَسُولَ الله، مُرْ عبَّادَ بْنَ بشر، فَلْيَضْرِبْ عُنُقَه، فقال: (فَكَيْفَ إذا تحدث الناس أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصحابه) .
وروى البيهقي في دلائل النبوة عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: كنت آخذًا بخطام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أقود به وعمار يسوق الناقة، أو أنا أسوق وعمار يقود به، حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر راكبًا قد اعترضوه فيها، فأنبهت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله:"هل عرفتم القوم؟"قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال:"هؤلاء المنافقون إلى يوم"