ورسوله، فقال: من الرجل؟ فقلت: رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، قال: أجل إني لأجمع له، فمشيت معه وحدثته واستحلى حديثي حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه، حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه، ثم دخلت غارا في الجبل ... وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين، ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة، ووضعت رأسه بين يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخبرته خبري.
-غزوة عبد الله بن رواحة لقتل اليسير بن رزام - أو رازم-:
عند ابن هشام: وكان من حديث اليسير بن رزام أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعث إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه، منهم عبد الله بن أنيس، فلما قدموا عليه كلموه، وقربوا له، وقالوا له: إنك إن قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعملك وأكرمك، فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من يهود، فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره، حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر، على ستة أميال، ندم اليسير بن رزام على مسيره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففطن به عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف، فاقتحم به، ثم ضربه بالسيف، ومال كل رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صاحبه من يهود فقتله.
جاء في لسان العرب:"خذل: الخاذِلُ: ضد الناصر. خَذَله وخَذَل عنه يَخْذُله خَذْلًا وخِذْلانًا: تَرَكَ نُصْرته وعَوْنه. والتَّخْذيل: حَمْلُ الرجل على خِذْلان صاحبه وتَثْبِيطُه عن نصْرته مثل قولهم:"الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا" [آل عمران:168] ، وقولهم:"وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَر" [التوبة:81] ، وغير ذلك من عبارات التخذيل."
"الحرب التخذيلية"تعني: حمل بعض الجيش أو القيادة على الركون لحالة الانهزام مما يؤدي لانشقاق الصف وتفرق الكلمة، أي أنها حرب تُستخدم فيها الحيلة والخداع للوصول للنصر دون خسائر بشرية، إنها حرب عقلية بأساليب المكر والدهاء لخداع الطرف الآخر بغير الموجود وتمويه الموجود على أنه أكبر مما هو موجود، بحيث ينخدع الخصم بحجم خصمه أو قوته أو خططه فيُخذل البعض أو توهن القوى ويظهر العجز.
فهي إذن حرب لا قتال فيها، ولكنها تؤتي ثمارها المرجوة منها، دون عناء تكبد الخسائر أو زج الجيش في معارك غير مأمولة النتائج.
ومع حداثة المُسمى ولكنه يظهر واضحًا جليًا في حروب ذاك الزمن، وقد استخدمها المشركون ضد المسلمين في أيما موضع، وأجاد فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحقق فيها من النتائج الشيء الكثير وكفى بتخذيل الأحزاب شاهدًا على عِظم هذا النوع من الحروب.
-التحذير الرباني من التخذيل:
جاءت الأوامر الربانية لتطهير الصف الإسلامي من مكامن التشتيت والتمزيق والتفريق، فقال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ" [آل عمران 100] ، وفي الآية تحذير من طاعة ذلك الفريق الذي شغله الشاغل الطعن في دين المسلمين، وإثارة الشبهات التي تزرع بذور الشك في الصدور، وفي الآية التحذير من مآل طاعة الكفار فان الخاتمة هي الردة بعد الإيمان.
وهذا القانون: وهو عدم إطاعة أي فريق من الذين أوتوا الكتاب ولو كان صادقًا، مع إضافة القانون في التعامل مع الخبر:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ..." [الحجرات6] ، يعني تأصيل القاعدة الأولى في صرح البناء العملي، وهو عدم الركون لأي قول يأتي من غير الصف الإسلامي الأصيل, وهو قول الذين آمنوا.
-دور المنافقين في التخذيل يوم أحد:
قال ابن القيم في الزاد: فلما صار بالشَّوْط بَيْنَ المدينةِ وأُحُد، انخذل عبدُ الله ابن أُبَىّ بنحو ثُلثِ العسكر، وقال: تخالفني وتسمَعُ مِن غيري، فتبعهم عبدُ الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله يوبِّخهم ويحضُّهم على الرجوع، ويقول: تعَالَوْا قاتِلُوا في سبيل الله، أو ادفعوا. قالوا: لو نَعلَمُ أنكم تُقاتلون، لم نرجع.