نقل الطبري عن عمرو بن حزم قال: مر به, يعني برسول الله - صلى الله عليه وسلم - معبد الخزاعي بحمراء الأسد, وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتهامة صفقتهم معه, لا يخفون عليه شيئا كان بها, ومعبد يومئذ مشرك, فقال: والله يا محمد, أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك, ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حمراء الأسد, حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء, قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه, وقالوا: أصبنا في أحد أصحابه وقادتهم وأشرافهم, ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. قال: رأى أبو سفيان معبدا, قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط, يتحرقون عليكم تحرقا, قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم, وندموا على ما صنعوا, فهم من الحنق عليكم بشيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك! ... قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه, ومر به ركب من عبد القيس، قالوا: أين تريدون؟ قال: نريد المدينة، قال: ولم؟، قال: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها, وأحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قال: نعم. قال: فإذا جئتموه, فأخبروه أنا قد أجمعنا للسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم! فمر الركب برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بحمراء الأسد, فأخبروه بالذي قال أبو سفيان, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"حسبنا الله ونعم الوكيل".
وفي الزاد وابن هشام أن فعل معبد كان بعد اسلامه مع أن قومه مسلمهم ومشركهم كانوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الناصحين، قال ابن القيم: أقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم، فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله فلحقه بالروحاء ولم يعلم بإسلامه ...
ونختم بما أخرجه أبو داود وأحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع عن جابر و أبي طلحة بن سهل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما من امرئ يخذل امرءا مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه, وينتهك فيه من حرمته, إلا خذله الله تعالى في مواطن يحب فيه نصرته, وما من أحد ينصر مسلما في مواطن ينتقص فيه من عرضه, وينتهك فيه من حرمته, إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته".
قد يغلب على الظن أو تسول النفس أن امتلاك القوة المادية، من سلاح ومال ورجال هو مفتاح النصر، نعم، لها الدور الفعال والحسم الواضح، ولكنها تبقى جزء من منظومة إذا اكتملت حلقاتها ظهرت نتائجها المرجوة، وإذا ضعفت كانت الخسارة بقدر هذا الضعف.
جاءت سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتُظهر جليًا سبب من آكد أسباب النصر لهذه الأمة، إنها الهيبة التي تملكت قلوب أعدائها، إنه الرعب الذي يقهرهم وهم في أمنع حصونهم.
سلاح"الرعب"هبة الله لنبيه ولأمته، في مقابل نزعه من غيرهم، أو هو من خصوصيات أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فعند البخاري في الصحيح عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أُعطيت خمسًا لم يُعطهنّ أحد قبلي:"... ونصرت بالرعب مسيرة شهر"."
إنه الرعب الذي يأسر العقول ويقهر القلوب فتُولي الجيوش الأدبار وتنخلع الأوصال، يظهر أثره في أيما موضع وفي أكثر من مكان وهو مُشاهد بالعيان، لا يُجادل فيه إلا كل جاحد للحق مُنكر للبرهان، أو هاوٍ في جُرف الباطل، وقد كان على صعيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذاته وشخصه في مواطن، وفي مواطن أُخر ظهر أثره في سرايا الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فتلك قريشٍ بجبروتها، وقسوتها وطغيانها، تقف ذليلة منكسرة أمام هيبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقوله ومنطق بيانه يتعاظم عندها عن قرع الأسنة وضرب الرماح، كيف لا وهو القائل:"لقد جئتكم بالذبح".
تجتمع قريش لتسخر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتهزيء به، فيقول وما امتلك سلاحًا ولا رجالًا:"تسمعون يا معشر قريش: أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح"، فبلغ بهم الرعب مبلغًا عظيمًا، ووقعت هذه الكلمة في قلوبهم موقعها، فوجم القوم واضطربوا من كلمته، حتى ما منهم رجل إلا على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وضاءة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول ليسترضيه فيقول: انصرف يا أبا القاسم راشدًا، فوالله ما كنت جهولًا. [رواه أحمد] .