وهذا عتبة بن ربيعة يأتي ليسمع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض قوله، فيتلو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سورة"فُصلت"حتى وصل إلى قوله تعالى:"فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ" [13] ، أصاب عتبة الرعب، وقال: حسبك حسبك، ووضع يده على فم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وناشده بالرحم أن يكف، وذلك مخافة أن يقع النذير. [تفسير ابن كثير] .
وفي غزوة ذات الرقاع، ينزل النبي - صلى الله عليه وسلم - بجيشه واديًا ويتفرّق الناس، ويعلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيفه وتغفو عيناه - ولا ينام قلبه- ليوقظه صوت أعرابي قد شهر السيف:"من يمنعك مني؟"فقال - صلى الله عليه وسلم - كلمة واحدة زلزلت الرجل واقتلعت قلبه وانفكت معها عُقد أعصابه:"الله"، فارتعد الرجل وارتعب وسقط السيف من يده من هول وقع الكلمة، ليأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السيف ويقول:"من يمنعك مني؟"ويتحول التهديد إلي انكسار، والوعيد إلى رجاء، ويعفو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [البخاري] .
وعند البخاري أيضًا من حديث أبي سفيان عند هرقل ملك الروم، قال هرقل: ليبلغنّ ملكه ما تحت قدميّ، فلما سمع ذلك أبو سفيان قال لأصحابه بعد خروجهم:"إنه ليخافه ملك بني الأصفر".
وأما على صعيد الأمة، فقد انتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه في معركة بدر بعد أن قذف الله الرعب في قلوب الذين كفروا، كما قال ربنا:"إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ" [الأنفال 12] .
وفي أحد بعد انتصار قريش المؤقت ورجوعهم إلى مكة ندموا على عدم استئصال شأفة المسلمين، وتلاوموا فيما بينهم وتشاوروا بل عزموا على إعادة الكرة، فألقى الله في قلوبهم الرعب، ونزل في ذلك قوله تعالى:"سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ" [آل عمران 151] أخرجه ابن أبي حاتم.
وفي معرض الحديث عن هزيمة يهود بني النضير، وإجلائهم عن ديارهم وتخريبهم بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، قال تعالى عنهم:"فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ" [الحشر2] .
وحين خانت بنو قريظة الوعد ونكصت العهد، وتسابق ركب الموحدين بين مؤجل للصلاة وبين مقيم، وضرب الحصار، ولم يجد"يهود"مناص من التسليم، استسلموا وفتحوا أبواب الحصون لخيل المجاهدين ونزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم، بعد أن خارت قواهم وانهارت معنوياتهم وقذف الله الرعب في قلوبهم، قال سبحانه:"وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَاسِرُونَ فَرِيقًا" [الأحزاب 26] .
وفي غزوة تبوك ترامى لمسامع الروم ومن والاهم من القبائل العربية، بمسير جحافل المؤمنين يقدمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه لقتالهم، فتفرقوا من بعد جمع وانهزموا من غير قتال، وآثروا السلامة في النفس والمال والأرض ودفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، على الرغم من تفوّقهم في العدد والعدة، ولكنه الرعب الذي يقذفه الله في قلوب أعدائه. [ابن هشام] .
وقد حث الله سبحانه على الإعداد المادي بأي قدرة وحسب الوسع وبقدر الموجود مع الترغيب بالزيادة، وما ذاك إلا لأمر علمه الله في قلوب الأعداء، وهو خوفهم ورعبهم من كل ما يعرضهم للموت، قال تعالى:"وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ" [الأنفال60] .
بل إن الله سبحانه أخبر بمكنونات النفوس وما تخفيه الصدور، فأرشد عباده المؤمنين بما يضمن لهم النصر بعد إقدامهم على حمل اللواء، مما لا إشارة فيه لعدد ولا عدة، فقال عز من قائل:"لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ" [الحشر13] .
في فتح مكة أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يُرى أبو سفيان قوة المسلمين، فحبسه عند مضيق الجبل، ومرت القبائل المسلمة براياتها كلما مرت واحدة قال أبو سفيان: ما لنا ولهؤلاء؟ حتى جاءت الكتيبة الخضراء كتيبة المهاجرين والأنصار يقدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو سفيان: ما لأحدٍ بهؤلاء من قبل ولا طاقة ... إذا فأدرك قومك أبا سفيان.
فرجع أبو سفيان مسرعًا إلى مكة، ونادى بأعلى صوته بل بملء جوفه: يا معشر قريش، هذا محمدٌ قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل داري فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فهرع الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وأغلقوا