لذلك نقول: الاعتماد على ضعيف السيرة خير من الاجتهاد مع الوقوع في الأخطاء، ونحن مع من يقول: الأخذ بالضعيف خير من الرأي والقياس، والأخذ بقول أحد العلماء أو المذاهب خير من الرأي الخاص والقياس، فرأي الأئمة الأربعة أو أحدهم أحب إلينا من رأي غيرهم ورأي الظاهرية أحب إلينا من رأينا.
وختامًا نقول: جاء الحديث في عجالة من الأمر، وهو موضوع فيما كان سببًا لوضعه، فيُعتذر لمن لا يدري السبب والمناسبة، ألا يظهر له المقصود من الطرح، ولكن يكفينا ذكر سبب واحد يُستدل به على المقصود: احتجنا لكتاب يطرح السيرة برؤية عصرية لطريقة الحرب، فكان الكتاب إسقاطًا بظلاله على الواقع لنستمد فهمنا للحرب الحديثة باستقراء حروب الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
قال عبد الوهاب قتاية: الحرب في اللغة هي القتال بين فئتين، وهي مؤنثة، وجمعها حروب، وهي مصدر للفعل: حَرب يحُرب (بفتح الراء في الماضي وضمها في المضارع) . يقال: حربه بالحربة أي طعنه بها.
وهي أيضا مصدر للفعل: حرِب يحرَب (بكسر الراء في الماضي وفتحها في المضارع) . يقال: حرب الرجل أي اشتد غضبه. ويزاد الفعل فيقال: حارب يحارب محاربة وحرابًا، بمعنى: قاتل، وعادى وعصى.
ويقال: تَحَارَبَ القوم واحتربوا أي حاربَ بعضهم بعضًا.
والحرب في الاستعمال المعاصر أنواع، بحسب أساليبها أو أسلحتها أو أطرافها، فيقال مثلًا: حرب خاطفة أي قصيرة بهدف تحقيق نصر سريع، وحرب استنزاف أي مناوشات حربية بقصد استنزاف قوى العدو وموارده، وحرب الأعصاب والحرب النفسية للتخويف وإثارة الرعب والخداع، والحرب الإعلامية وأدواتها أجهزة الإعلام للتأثير في الرأي العام، والحرب الاقتصادية بالحصار الاقتصادي وغيره بهدف إضعاف اقتصاد العدو، والحرب الباردة ومظهرها التأزم والتوتر بين الطرفين المتعاديين، دون أن يصل إلى حرب سافرة بالسلاح. ويُقال: حرب ذرية أو نووية، وحرب كيماوية، وحرب بيولوجية، ويقال: حرب عالمية، وحرب إقليمية، وحرب نظامية، وحرب عصابات، وحرب أهلية، وحرب طائفية.
ويُقال بحسب البواعث: حرب تحرير أو استقلال وحرب استعمارية.
ومن الألفاظ الشائعة يقال: هو رجلُ حربٍ (بإضافة رجل إلي حرب) أي خبير في إدارة المعارك الحربية، كما يقال: هو رجلٌ حربٌ (باستعمال حرب صفة لرجل) أي شجاع شديد المقاتلة، ومن ذلك قول القائل: أنا حرب لمن يحاربني أو أنا حرب على من يحاربني أي عدو له، ويقال لفظ «حرب» للمذكر والمؤنث والمفرد والجمع. ويقال: دار الحرب لبلاد الأعداء. ومن بليغ ما قيل في الحرب ما قاله عمرو بن معد يكرب حين طُلب منه أن يصف الحرب، فقال: مرة المذاق، إذا كشفت عن ساق، من صبر فيها عرف، ومن نكل عنها تلف.
وفي قيام الحرب يقال: نشبت الحرب، وشبت واشتبكت، واندلعت، واضطرمت، واتقدت، واستعرت، والتهبت، واصطلت، واحتدمت.
ويقال: قامت الحرب على ساق، أي اشتد الأمر وصعب الخلاص منه.
ومن الحديث الشريف في يوم بدر: الحرب خدعة، ومن الأمثال: الحرب سجال، وقد قاله أبو سفيان - رضي الله عنه - في يوم أحد.
ومن روائع حكم المتنبي قوله:
فحب الجبان النفس أورده التقى ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا
ومن الأمثال أيضًا: رُب حربٍ شبت من لفظة، كما يقال لمن يظهر شجاعة على الضعفاء ويجبن في المواقف الصعبة: أسد عليَّ وفي الحروب نعامة.
ويُقال لمن يحكم على الأمور بدون أن يكابدها: ما أهون الحرب على النظارة.