الحمد لله الذي أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق ليظهره على جميع الأديان، وأيده بالآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة ومن أعظمها القرآن، وأمده بملائكة السماء تقاتل بين يديه مقاتلة الفرسان، ونصره بريح الصبا تحارب عنه أهل الزيغ والعدوان، كما نصره بالرعب وقذفه في قلوب أعدائه وبينه وبينهم مسيرة شهر من الزمان، وأقام له جنودًا من المهاجرين والأنصار تقاتل معه بالسيف والسهم والسنان، بين يديه في ميادين السباق تصول الأقران، وتبذل في نصرته من نفوسها وأموالها نفائس الأثمان، تسليمًا للمبيع الذي جرى عقده على أيدي الصادق المصدوق والتزم للبائع الضمان، كما قال الرحمن في القرآن:"إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ" [التوبة 111] ، وتبارك الذي أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع تتم بها مصالح الإنسان، وعلم الفروسية وجعل الشجاعة خلقًا فاضلًا يختص به من يشاء وكمله لحزبه وأصاره حلية أهل الإيمان، فأوجب محبته للجواد الشجاع وكمله ومقته للبخيل الجبان.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وإله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، الذي أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أنَّ رحمته تغلب غضبه، تعرف إلى عباده بأوصافه وأفعاله وأسمائه، وتحبب إليهم بنعمه وآلائه، وابتدأهم بإحسانه وعطائه، فهو المحسن إليهم والمجازي على إحسانه بالإحسان، فله النعمة والفضل والثناء الحسن الجميل والامتنان،"يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ" [الحجرات 17] .
وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، وحجته على جميع الإنس والجان، أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأبين السبل، وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعظيمه والقيام بحقوقه، وسد إلى الجنة جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح الله له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وبعثه بالكتاب الهادي والسيف الناصر بين يدي الساعة حتى يُعبد سبحانه وحده لا شريك له، وجعل رزقه تحت ظل سيفه ورمحه، وجعل الذلة والصغار على من قابل أمره بالمخالفة والعصيان، وأنزل عليه من الكتب أجلّها ومن الشرائع أكملها ومن الأمم أفضلها وهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الرحمن، وخصه من الأخلاق بأزكاها ومن مراتب الكمال بأعلاها وجمع له من المحاسن ما فرقه في نوع الإنسان، فهو أكمل الناس خلقًا وأحسنهم خلقًا وأشجعهم قلبًا وأجودهم كفًا وألينهم عريكة، وأوسعهم صدرًا وألطفهم عشرةً وأفصحهم لسانًا وأثبتهم جنانًا وأشرفهم بيتًا ونسبًا .. فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من خلقه عليه كما عرفنا بالله وأسمائه وصفاته ووحده ودعا إليه وآتاه الوسيلة والفضيلة وبعثه المقام المحمود الذي وعده في دار السلام والسلام عليه ورحمة الله وبركاته ... [ابن القيم: الفروسية] ،ثم أما بعد:
فقد كان من نتيجة السيطرة الفكرية على المسلمين على مدار سنوات الاحتلال، وما تلاها من خروج الكفار وإحلال أتباعه من حُمال الفكر الغربي كإدارات مدنية لتسيير أمور الدول العربية، بعد تقسيم دولة الخلافة العثمانية إلي دويلات تسهل تمرير الفكر الكافر.
واعتَمَدَ الخُبثاء سياسات فكرية اعُتُمِدَ في ظاهرها الحسن وفيها السم الزعاف، فخرج من يُحارب الدين باسم الدين، والعربية باللسان العربي، ومعه الصحيفة والمذياع، فانبرى تطوعًا أو كُرِّي يغير المفاهيم ويميع المصطلحات.
فأصبح الكافر"آخر"، فغيروا اسمه وقلبوا رسمه، وأحيوا في الذاكرة مفاهيمهم التي تعينهم على تقبل"الآخر"، فأحيوا الذمي والمعاهد والمهادن وأغفلوا المُقاتل والمُحارب، وحفظوا"أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ"ونسوا"فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ"ورددوا"وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوَا إِنَّا نَصَارَى"وأغفلوا"وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ".
وقامت طائفة أخرى فكررت مفردات الآخر ومفاهيمه، فخصصوا الحروب الإسلامية لتصبح"دفاعية"، وهاجموا الدين على أنه يدعو للعنف والإرهاب والتطرف، وأنفقوا على مرتزقتهم ليقوموا مدافعين عن الصورة التي أرادوها، فقامت الببغاوات تردد: الإسلام دين الرحمة والسلام وهو ضد العنف والإرهاب، قبل أن يستوضحوا المعاني أو يستظهروا المقصود.