هذا غيض من فيض وكل زيادة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قليلة، ولكن حسبنا إضاءات تُنير طريق القاصدين، ومنارات تهدي السائرين سواء السبيل.
"الحرب المعلوماتية"أو ما يُسمى حديثًا"حرب الاستخبارات"فمع حداثة المسمى يبقى منذ الأزل معروفًا، وإن اختلفت التسميات بين"تخابر أو تجسس أو تحسس أو رصد معلومة أو متابعة حدث وما شابه ...".
وتفاديًا للخلط بين الفهم السيئ المرتبط بالعقلية الدارسة لعملية جلب المعلومات، أو استنطاق المعنيين واستخراج الأقوال أو استدراج المخبر أو سُبل الحصول على المعلومات بالتتبع، بحيث أصبحت غاية الفاعل النبيلة -حسب قوله- تبرر الوصول بغض النظر عن الوسيلة حتى أصبح من المُشاع: المهم الوصول ولا يهم كيف؟
ولصناعة فارق بين"المعلوماتية"و"الاستخبراتية"لابد من تنظيف تلك الصورة السيئة، التي ترتبط بالعقول والأذهان من سواد المطروح حاليًا في هذه الحرب.
"حرب المعلومات"حرب سرية عقلية لا دماء فيها، ولكنها من يحسم المعارك بصمت وهدوء، إنها تعني رصد إرهاصات الهزة قبل وقوعها، ومتابعة بوادر الأمر قبل تنفيذه.
مما لا شك فيه أن أي معلومة مهما صغرت في عين الفرد، فإنها قد تعني الكثير بالنسبة للخصم، وهو ما يدعو العامل لإبقاء أكبر كم من المعلومات في طور السرية حتى لا يستفيد الأعداء منها.
والحديث في"الحرب السرية"له موقع خاص ولكن المقصود من"الحرب خدعة"مثلا هو تضليل العدو بإعلامه بمعلومات يبني عليها خططه، ثم يظهر خطأه وفشله بناءً عليها، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد غزوة ورى بغيرها، ليقطع الطريق أمام من يمرر المعلومات للخصم حول تحرك الجيش أو خطة القيادة.
والمقصود أن"حرب الاستخبارات"تُعنى بالبحث عن كل معلومة تُفيد القائد في رسم خططه بناءً على المعلومات التي حصل عليها عن العدو: عدد الجند أو طريق السير أو عدد الأسلحة وأنواعها أو ما شابه.
جاء في الزاد لابن القيم في فوائد الحديبية: ومنها: أن الاستعانَةَ بالمُشرِكِ المأمونِ في الجهاد جائزةٌ عند الحاجة، لأن عَيْنه الخزاعيَّ كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقربُ إلى اختلاطه بالعدوِّ، وأخذه أخبارهم.
-مواقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - في منع تسريب المعلومات:
قال ابن القيم في زاد المعاد وأصل الحديث في الصحيحين: كتب حاطِبُ بن أبى بَلْتَعَةَ إلى قُريش كتابًا يُخبرهم بمسيرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم - وفي رواية مسلم يخبرهم ببعض أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلًا على أن تُبلغه قريشًا، فجعلته في قُرون في رأسها، ثم خرجَتْ به، وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبرُ مِن السماء بما صنع حاطب، فبعث عليًا والزُبير، وغير ابن إسحاق يقول: بعث عليًا والمقداد والزبير، فقال: انطلقا حتَّى تأتيا رَوْضَةَ خاخ، فإنَّ بها ظعينة معها كِتاب إلى قُريش، فانطلقا تَعَادى بهما خَيْلُهما، حتى وجدا المرأةَ بذلك المكانِ، فاستنزلاها، وقالا: معكِ كتابٌ؟ فقالت: ما معي كتاب، ففتشا رَحْلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها علي - رضي الله عنه: أحِلفُ باللهِ ما كذبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ولا كذبنا، واللهِ لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أو لنُجَرِّدَنَّكِ، فلما رأت الجدَّ منه، قالت: أَعْرِضْ، فأعرض، فحلَّت قُرون رأسها، فاستخرجت الكِتاب منها، فدفعته إليهما، فأتيا به رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا فيه: مِن حاطب ابن أبى بَلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"."
وفيها من الفوائد:
-أمر الإسلام أكبر من أمر الأشخاص فلا كرامة لمن خان، ولولا مانع شهود بدر لكان للحكم مجال آخر.