ملحان أخا أُمِّ سليم بكتابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عدوِّ الله عامِر بن الطفيل، فلم ينظُرْ فيه، وأمرَ رجلًا، فطعنه بالحربةِ من خلفه، فلما أنفذها فيه، ورأى الدَّمَ، قال:"فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ"، ثم استَنفَرَ عدوُّ اللهِ لِفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يُجيبُوهُ لأجل جِوار أبي بَراء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عُصَيَّةُ وَرِعْلٌ وذَكْوَانُ، فجاؤوا حتى أحاطُوا بأصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقاتلُوا حتى قُتِلُوا عن آخرهم إلا كعبََ بنَ زيدِ بن النجار، فإنه أرتُثَّ بين القتلى، فعاش حتَّى قُتِل يومَ الخندق، وكان عمرو بن أُمية الضمرى، والمنذرُ بن عقبة بن عامر في سَرْح المسلمينَ، فرأيا الطيرَ تحومُ على موضع الوقعة، فنزل المنذر بن محمد، فقاتلَ المشركين حتى قُتِلَ مع أصحابه، وأُسِرَ عَمرُو بن أُمية الضَّمْرِى، فلما أخبر أنه من مُضَر، جَزَّ عامِر ناصيتَه، وأعتقه عن رقبة كانت على أُمِّه.
"الحرب السرية"حرب منظمة عاملها الأساسي العقل والتفكير، ظاهرها غير ظاهر للعيان ومعالمها تبقى في قوقعة الخفاء، يدل عليها الأثر والنتيجة.
تكتسب المعنى والقوة من خصائصها التي تعتمد على المفاهيم غير المألوفة من اصطفاف الجنود وترتيب الصفوف، ولكنها تُعني بما يضمن النصر حتى ولو لم يتحرك الجيش قيد أنملة، فبها تُعرف خطط العدو وبها يُرصد تحرك الخصم، وبها تُقطع رؤوس الأعداء، وبها تُقام التحالفات ويُخذَّل بين الأعداء.
قال المباركفوري في معرض حديثه عن سرية نخلة بقيادة عبد الله بن جحش: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب له كتابًا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، فسارعبد الله ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه:"إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارهم"، فقال: سمعًا وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وأنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه.
ونظام الرسائل المغلقة ما كان معروفًا عند العرب بل عند أهل الأرض، فانه لا يعهد له نظيرًا في التاريخ، يحوز فيه - صلى الله عليه وسلم - قصب السبق، وكل من جاء بعده فهو عيال عليه في المسألة.
-الإغارة:
ويُقصد بها مباغتة الخصم فجأة، ويكون التحرك فيها بمنتهى السرية، وقد نجح فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نجاحًا منقطع النظير، في حين فشل فيها العرب جميعًا لتوارد الأخبار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكل تجمع يريدوه وهم يظنونه سرًا، فكان يهاجمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يزال القوم في ديارهم، أو يرسل من يقتل قائد هذا التجمع.
فمن الإغارات التي كانت عقوبة على التجمع لمحاربة دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم - غزوة بني سليم بالكدر بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وغزوة ذي أمر بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا وغيرها، وقد كانوا يُغيرون على القبائل في رحالهم، فيفرون أو يواجهون، والانتصار حليف المسلمين في الغالب ويستاقون إبلًا وشاء ومغانم كثيرة من سبايا وعبيد.
ومن الإغارات التأديبية لأفعال تجرأت عليها القبائل، غزوة بني لحيان بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسرية عبد الله بن عتيك لاغتيال سلام بن أبي حقيق الذي حزّب الأحزاب.
ومن الإغارات التي كانت تستهدف عير قريش: سرية حمزة في سيف البحر وسرية الخرار بقيادة سعد وغيرها، وقد كانت أخبار القوافل تصل المسلمين، مع جهل قريش بوجود قوة تسعى لاعتراضهم، فكان الصحابة يباغتونهم في رحالهم.
قال المباركفوري: وأضحى الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين، إلا حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال، وهكذا أرهب المسلمون هذه القبائل المُغيرة، وخلطوا بمشاعرهم الرعب، ثم رجعوا إلى المدينة آمنين.