الصفحة 86 من 216

-الخداع والكذب:

ومن الأساليب المتعلقة بالحرب السرية والتي لا تنفك عنها: الكذب والخداع وجوازه في الشرع معروف بأدلة منها:"الحرب خدعة" [الصحيحين عن جابر] ، ونقل النووي الاتفاق على جوازه، وفي الزاد والأصل في الصحيحين في حديث قتل كعب بن الأشرف اليهودي: وأذن لهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقولوا ما شاؤوا مِنْ كلام يخدعونه به.

وعند ابن سعد في حادث اغتيال عبد الله بن أنيس لخالد الهذلي ... واستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقول- أي أكذب- فأذن لي.

-التحالفات:

التحالف هو علاقات وروابط يقوم بها وعليها طرفان بقصد توحيد الأهداف والخطط، ولها صور متعددة وبحسبها يكون التفاعل، كالتحالف العسكري والذي يضمن النُصرة لكل طرف من الآخر، أو التحالف السياسي وفيه تباينات وشرطه ما يتم الاتفاق عليه.

وإنما أُضيف للحرب السرية لخصوصيته الخافية وعدم الاطلاع عليه في الغالب، إلا أن يكون عامًا، وله أهمية لما يُضفيه من عوامل قوة مؤثرة في الصراع، وقد اهتم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمنه تحالفه - صلى الله عليه وسلم - مع الأنصار في بيعة العقبة الثانية على النصرة والإيواء والحماية، وحلفه - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود في المدينة على ألا يعينوا عليه عدوًا ولا يؤوا محدثًا، ومنها ما ذكره صاحب الرحيق: سرية حمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلًا من المهاجرين يعترضون عيرًا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجهني - وكان حليفًا للفريقين جميعًا - بين هؤلاء وهؤلاء حتى حجز بينهم فلم يقتتلوا.

وفي غزوة الأبواء عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاهدة حلف مع عمرو بن مخشى الضمري سيد بني ضمرة، وفي غزوة ذي العشيرة عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة.

والتحالفات لم تكن بدعة في ذلك الحين فقد ألفها المشركون واليهود، وهو ما دعاهم للتحالف في الأحزاب، بين خيبر وقريش وغطفان، وكذلك حِلف عيينة بن حصن مع محمد - صلى الله عليه وسلم - والذي نقضه في الأحزاب.

وللنقض أثر واضح في الحرب يُشير إليه الأثر الوخيم الذي حل بالمسلمين حين تفشي خبر نقض قريظة للعهد لأنهم داخل الحمى، قال المباركفوري: وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ، وصاروا كما قال الله تعالى:"وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا"... [الأحزاب: 10، 11] .

ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وحتى قال بعض آخر في ملأ من رجال قومه: إن بيوتنا عورة من العدو، فائذن لنا أن نخرج، فنرجع إلى دارنا فإنها خارج المدينة. وحتى همت بنو سلمة بالفشل، وفي هؤلاء أنزل الله تعالى:"وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا" [الأحزاب: 12، 13] .

-"التورية"والحرب السرية:

التَوْرِية لغة هي الإخفاء قال تعالى:"فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ" [المائدة31] ، وفي الشرع: إظهار خلاف ما يُبطن بقصد التمويه، ومنه حديث كعب بن مالك في البخاري: ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورى بغيرها.

في الزاد: ثم خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني لِحْيَان بَعْدَ قُرَيْظَةَ بستة أشهرِ لِيغزوهم، فخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في مائتي رجل، وأظهر أنه يُريد الشام، واستخلف على المدينة ابنَ أُمِّ مكتومٍ، ثم أسرعَ السير حتى انتهى إلى بطن غُرَانَ، وادٍ من أودية بلادهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت