"الحرب الهجومية": إنها تعني استباق الخصم بالحرب سواءًا قصد الهجوم المضاد أو لم يقصد، بشرط إعلان الحرب بين الطرفين كسابقة تبريرية للفعل وانتفاء الموانع كالعهود والمواثيق والتي يلزم معها النبذ على السواء.
تشكل مبدأ"الحرب الهجومية"بعد الخروج من مكة مباشرة، هذا ما أورده أئمة التفسير كالطبري والقرطبي بالروايات المسندة عند قوله تعالى:"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" [الحج39] ، وهي تعني فتح باب الهجوم المضاد لما فعلته قريش وما نالت به من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته - رضي الله عنهم -، ونسخٌ لكل آيات الصفح الجميل والعفو عن الكافرين.
ويمكن تقسيم المراحل التي مرت بها"الحرب الهجومية"في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى مرحلتين:
-المرحلة الأولي: من هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة الخندق:
وقد تنوعت في هذه الفترة"الحرب الهجومية"، وأخذت العديد من الأشكال، منها:
1 -الإغارة على قوافل قريش:
وأخذت الفترة ما قبل بدر، وقد ابتدأت في رمضان من السنة الأولى للهجرة بسرية"سيف البحر"بقيادة حمزة - رضي الله عنه - في ثلاثين رجلًا من المهاجرين يعترضون عيرًا لقريش قادمة من الشام، ثم سرية"رابغ"بقيادة عبيدة بن الحارث، ثم سرية"الخرار"بقيادة سعد، ثم سرية غزوة"الأبواء"بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم غزوة"بواط"بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا، ثم غزوة"ذي العشيرة"بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها للإغارة على قوافل قريش بهدف الغنيمة.
وكان من أخطرها سرية زيد بن حارثة والتي غنمت قافلة قريش بكل ما فيها، والتي كانت قاصمة الظهر لهيبة قريش ومكانتها بين العرب وهي قُبيل"أحد"بقليل، والفترة بين"بدر"و"أحد"لم يُذكر فيها اغارة على قريش بذاتها بل كان إغارة على العير فقط، وما قُصدت غير قريش بقتال، اللهم إلا غزوة"بحران"بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتي رجح ابن القيم أنها كانت تريد قريشًا وذكر غيره أنها"هجوم دفاعي"على بني سليم لتجمعهم بهدف الإغارة على المدينة كما ذكره صاحب الرحيق المختوم.
2 -الإغارة على قبائل العرب:
في الفترة ما بين"بدر"و"أحد"أُضيف لقائمة العداء وجوه أُخر، تنوع معها أسلوب الحرب، فقد كان من الأعراب من طمع بالمدينة كبني سليم وبني غطفان الذين احتشدوا لغزو المدينة، فباغتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيشه في ديارهم بما يمكن أن يسمى:"الحرب الهجومية الدفاعية"فلولا قصدهم الإغارة على المدينة لما استبقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الغزوة، ثم كانت غزوة"ذي أمر"بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج فيها هجومًا على بني ثعلبة ومحارب لتجمعهم بقصد الإغارة على المدينة وهي ضمن"الحرب الهجومية الدفاعية".
بعد"أحد"أخذت الحرب طابعًا مغايرًا للأثر الذي أوقعته الهزيمة في نفوس العرب، فقد ظنوا أن المدينة مرتعًا لغزواتهم، فقاموا على أكثر من صعيد بالتجمع للغزو، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اليقظة والاستعداد والمباغتة ما مكنه من الهجوم عليهم في عقر دارهم، كسرية أبي سلمة إلي"بني أسد بن خزيمة"وقد باغتوهم في ديارهم قبل اكتمال استعدادات الإغارة، ومثلها غزوة"نجد"بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضًا لجموع بني محارب وبني ثعلبة من غطفان قِبَل نجد.
3 -الاغتيالات: