الصفحة 142 من 216

وكان من تنوع"الحرب الهجومية"أن شملت الشخصيات التي تؤذي الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وتسب الصحابة - رضي الله عنهم - وتتشبب بنسائهم، من ذلك كعب بن الأشرف اليهودي الذي طفح حقدًا وحسدًا على الإسلام والمسلمين، وتعداه حتى"انبعث عدو الله يهجو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، ويمدح عدوهم ويحرضهم عليهم، ولم يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريش، فنزل على المطلب بن أبي وَدَاعة السهمي، وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القَلِيب من قتلى المشركين، يثير بذلك حفائظهم، ويذكي حقدهم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلًا؟ فقال: أنتم أهدى منهم سبيلًا، وأفضل، وفي ذلك أنزل الله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا" [النساء 51] [الرحيق] ."

فخرجت إليه سرية بخمسة رجال بقيادة محمد بن مسلمة فقتلوه شر قتلة وقطعوا رأسه واستاقوه معهم ليلقوه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقد حاول خالد بن سفيان الهذلي بعد بدر أن يجمع لجموع لحرب المسلمين فخرج إليه عبد الله بن أنيس وقتله وأتى برأسه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [الطبقات لابن سعد] .

4 -الهجوم العقابي:

وتمثل في معاقبة"بني قينقاع"على غيها وحقدها ونقضها للعهد وإعلانها لحالة العداء السافر بما لا يدع للحليم صبرًا، فقد أظهروا البغي والحسد وهددوا بما لم يلاقه المسلمون من قريش فقالوا وكذبوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى:"قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ" [آل عمران 12، 13] .

ثم تمادوا في بغيهم حتى طالوا كل مسلم يطأ أرضهم أو سوقهم، بل وصل الحد فيهم أن آذوا نساء المسلمين أو من كان في حرمهم، فمما ذكره"ابن هشام": أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود.

فكان السبب - وما قبله يكفي لوحده - ليعلن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحرب على بني قينقاع، وليظهر اليهود من قوتهم ما كانوا يهددون به، فظهر عجزهم أمام جحافل التوحيد بعد حصار دام خمس عشرة ليلة انتهى بخذلان قومهم لهم، وهزيمتهم ونزولهم على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتدخل المنافق"ابن أبي ابن سلول"حليفهم، ليعفو عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويوافق بعد إلحاح على أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه فيها.

بعد"أحد"تجرأ اليهود بما يُعهد عليهم من مكر وخديعة،"وسوَّلَ لهُم الشيطانُ الشقاء الذي كُتِبَ عليهم، فتآمروا بقتله - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: أيُّكُم يأخذ هذه الرَّحى ويصعَدُ، فيُلقيها على رأسه يَشْدَخُه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بْنُ جِحَاشٍ: أنا. فقال لهم سلامُ بْنُ مِشْكم: لا تفعلوا؛ فواللهِ ليُخَبَّرَنَّ بما هممتُم به، وإنه لنقضُ العهدِ الذي بيننا وبينَه. [الزاد] ."

فكان هذا الفعل بمثابة النقض الصريح للعهد وهو أوضح أعمال إعلان الحرب، التجرؤ علي قتل أعلى قائد للمسلمين، وأرسل إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرًا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه"وخنعوا وأذعنوا لحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيد أن رأس النفاق"ابن أبي"سول لهم البقاء والقتال، فامتنعوا بأنفسهم وبظنهم أن قريظة والمنافقين معهم، وسارت ركائب التوحيد وحاصرتهم حتى نزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأُجلوا من المدينة.

-المرحلة الثانية: ما بعد الأحزاب:

وهذه المرحلة بدأت بصورتها الفعلية بعد غزوة الخندق مباشرة بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"اليوم نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم" [أخرجه البخاري من حديث سليمان بن صرد - رضي الله عنه -] .

فلماذا الآن؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت