كل هذا ليواكب التزايد المطرد في عدد الجنود، من ثلاثين في سرية البحر بقيادة حمزة إلى ثلاثمائة ونيف في بدر إلى ثلاثة آلاف في مؤتة ...
-استنزاف القبائل العربية:
اعتمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سياسة غزو من يفكر بالغزو، فكانت السرايا والبعوث والغزوات تقصد كل جمع يريد المدينة بغارة أو حرب، بما يوهن من عزمها ويفت من عضددها ويرهبها، مما تضطر معه لأن تفر إلى رؤوس الجبال وفيافي الصحراء.
وقد كان من النادر أن تثبت قبيلة أمام الإغارة، إلا كالذي حدث مع سرية محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة الذين كمنوا للسرية وقتلوهم جميعًا إلا محمد الذي ارتث بين القتلى ونجا بعد جراحة، وإلا فالعموم هو الفرار ثم ترجع السرايا إلى المدينة غانمة للشاء والبعير، وآسرة للرجال وسابية للنساء والذرية، منها كما في الرحيق:
-سرية عُكَّاشَة بن مِحْصَن إلى الغَمْر ماء لبني أسد، ففر القوم، وأصاب المسلمون مائتي بعير.
-سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة وقد بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - على إثر مقتل أصحاب محمد بن مسلمة، ووافوا بني ثعلبة مع الصبح فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هربًا في الجبال، وأصابوا رجلًا واحدًا فأسلم، وغنموا نَعَما وشاء.
-سرية زيد بن حارثة إلى الجَمُوم ماء لبني سليم، خرج إليهم زيد فأصاب امرأة من مُزَيْنَة يقال لها: حليمة، فدلتهم على محلة من بني سليم أصابوا فيها نعما وشاء وأسرى، فلما قفل زيد بما أصاب، وهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمزينية نفسها وزوجها.
-استنزاف المحاصرين:
قال ابن القيم في حصار بني النضير: فحاصرَهُم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقطَعَ نخلهم، وحرَّق، فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأَنزلَهم على أن يخرجوا عنها بنفوسِهم وذراريهم، وأن لهم ما حَمَلَتِ الإبلُ إلا السلاَح.
وقال صاحب الرحيق: بعد فتح حصني ناعم والصعب تحول اليهود إلى قلعة الزبير، وهو حصن منيع في رأس قُلَّةٍ، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه، ففرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحصار، وأقام محاصرًا ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود، وقال: يا أبا القاسم، إنك لو أقمت شهرًا ما بالوا، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض، يخرجون بالليل ويشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك. فقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي الطائف بعد الحصار قال صفي الرحمن: وأمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام - أمر بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعًا ذريعًا، فسألته ثقيف أن يدعها للّه والرحم، فتركها للّه والرحم.
-المنجنيق - وكل آلة رمي وتدمير- والاستنزاف:
في الرحيق المختوم في معرض الحديث عن فتح حصون خيبر: وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنصب آلات المنجنيق، ويبدو أن المسلمين قذفوا به القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن، واقتحموه، ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى، بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم.
وفي تناوله لحصار الطائف قال صفي الرحمن: ونصب النبي - صلى الله عليه وسلم - المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، حتى وقعت شدخة في جدار الحصن، فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة.