الإسلامِ، وكانت الصلاة تحضُر ذلك اليومَ، فيُصلِّى بأصحابه، ثم يعودُ فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أَمْسوا، وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطَوْا ما بأيديهم، وفتحها عَنوة، وغنمه الله أموالهم، وأصابُوا أثاثًا ومتاعًا كثيرًا.
-من يُغير على الحمى:
في الزاد وابن هشام: ولما رجع فَلُّ المشرِكِينَ إلى مكَّةَ موتُورين، محزونين، نَذَرَ أبو سفيان أن لا يَمَسَّ رأسَه ماءٌ حتى يغزوَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فخرج في مائتي راكِبٍ، حتى أتى العُرَيْضَ في طرفِ المدينة، وبات ليلةً واحدة عند سلام بن مِشْكَم اليهودي، فسقاه الخمرَ، وبَطَنَ له مِن خبر الناس، فلما أصبح، قطع أصْوارًا مِنَ النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له، ثم كرَّ راجعًا، ونَذِرَ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فخرج في طلبه، فبلغ قَرْقَرَةَ الكُدْرِ، وفاته أبو سفيان، وطرحَ الكفارُ سويقًا كثيرًا مِن أزوادِهم يتخفَّفُونَ به، فأخذها المسلمون، فَسُمِّيِتْ غزوةَ السويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين.
جاء في المعجم الوسيط:"الأمن"لغة هو الاطمئنان وعدم الخوف، والبلد الآمن هو المطمئن فيه أهله، ومن هنا فالمقصود بالحرب التأمينية هي الوصول بأهل المدينة إلى حالة الطمأنينة وعدم الخوف، سواء من التمزقات الداخلية والانشقاقات الطائفية أو التحالفات والعداوات الخارجية والتي تستهدف أمن البلد بغزو أو إغارة أو ما شابه.
-تأمين الظهر من جهة مكة في فتح خيبر:
جاء في شرح السير الكبير للسرخسي أن خيبر كانت ضمن حلف قريش الحربي ضد دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقال الشافعي في الأم:"كانت خيبر وسط مشركين، وكانت يهود أهلها مُحالفين للمشركين".
في الأحزاب تحالفت قوى الشر وأجنحة المكر على حرب دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومن المعلوم أن أول من جمَّع الجموع وحزَّب الأحزاب، هم يهود خيبر حين سار أكابرهم وألبوا قريش على الحرب، ومن ثَمَّ ساروا إلى غطفان لنفس الهدف.
ما كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينسى هذا الموقف، فمن ثَم تَخير الزمان المناسب لمعاقبتهم في وقت جد دقيق يدل على حنكة وخبرة ودراية، يعجز أهل الأرض عن استيعاب نصيفها، فما البال بكلها؟
بوصف الحال والموقع تكون المدينة في الوسط تقريبًا بين مكة وخيبر، ولم يكن من الصواب الالتفات لحرب خيبر، وترك الظهر مكشوفًا من جهة قريش، خصوصًا وحالة العداء ما تزال قائمة، فلما وقّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلح الحديبية مع المشركين، والذي كان فيه وضع الحرب لعشر سنين، لم يرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم - إلي المدينة بل ساروا صوب خيبر، وهم يأمنون جانب قريش، فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزلوا على حكمه، ولم تستطع قريش لحليفتها نصرًا أو مؤازرة بل تركتها تواجه مصيرها، وبئس المصير.
في شرح السير الكبير للسرخسي:"إن أهل مكة شرطوا عليه أن يرد عليهم كل من أتى مسلمًا منهم، ووفى لهم بهذا الشرط إلى أن انتسخ لأنه كان فيه نظر للمسلمين لما كان بين أهل مكة وأهل خيبر من المواطأة على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توجه إلى أحد الفريقين أغار الفريق الآخر على المدينة فوادع أهل مكة حتى يأمن جانبهم إذا توجه إلى خيبر ..."، وهذا يدل على الاستهداف النبوي لقطع طرق الإمداد لأحدهما حين يتفرغ لمحاربة الأخرى.
ولا ينسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن غطفان هي حليفٌ لخيبر أيضًا، فكان من حنكته - صلى الله عليه وسلم - قطع إمدادها لخيبر، فقد جاء عند ابن هشام:"فنزل - أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - بينهم - أي أهل خيبر - وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
وهناك من يمكنه أن يمد خيبر أيضًا، ولا يغيب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الموقف والحال، جاء في زاد المعاد:"خرج علي - رضي الله عنه - في مائة رجل إلى"فدك"إلي حي من بني سعد بن بكر، وذلك أنه بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن بها جمعًا يريدون أن يمدوا أهل خيبر ... فأصاب عينا لهم فأقر له على أنهم بعثوه إلى خيبر فعرضوا عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم ثمر خيبر."