الصفحة 154 من 216

رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في الذهاب إلى المدينة وقَالُوا:"إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ومَا هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلاَّ فِرَارًا" [الأحزاب: 13] ، وهمَّ بنو سلمَةَ بالفَشَلِ، ثم ثبَّت اللهُ الطائفتين.

-حرب الاستنزاف:

قال صاحب الزاد: وأقام المشركُون محاصِرِينَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا، ولم يكن بينهم قِتال لأجل ما حال اللهُ به مِن الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فَوارِسَ مِن قُريش، منهم عمُرو بن عبد وُدٍّ وجماعة معه أقبلُوا نحوَ الخندق، فلما وقفُوا عليه، قالوا: إن هذه مَكيدةٌ ما كانت العربُ تعرِفُها، ثم تيمَّمُوا مكانًا ضيِّقًا من الخندق، فاقتحمُوه، وجالت بهم خيلُهم في السّبخة بين الخندقِ وسَلْعٍ، وَدَعَوْا إلى البِرَاز، فانتدب لِعمرو عليُّ بن أبى طالب - رضي الله عنه -، فبارزهُ، فقتله اللهُ على يديه، وكان مِن شُجعان المشركين وأبطالِهم، وانهزمَ الباقون إلى أصحابهم، وكان شِعارُ المسلمين يومئذ: حم لا يُنْصَرُونَ.

-حرب التخذيل بين الأحزاب:

قال ابن القيم في الزاد: ولما طالت هذه الحالُ على المسلمين، أراد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُصالح عُيينةَ بنَ حِصْنٍ، والحارِثَ بنَ عوف رئيسى غَطَفَان، على ثُلثِ ثِمار المدينةِ، وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضةُ على ذلك، فاستشار السَّعدين في ذلك، فقالا: يا رسولَ اللهِ، إن كان اللهُ أمَرَكَ بهذا، فسمعًا وطاعةً، وإن كان شيئًا تصنعُه لنا، فلا حاجةَ لنا فيه، لقد كُنَّا نحن وهؤلاء القومُ على الشِّركِ باللهِ وعِبادةِ الأوثان، وهم لا يطمعُون أن يأكلُوا منها ثمرة إلا قِرىً أو بيعًا، فحين أكرمنا اللهُ بالإسلام، وهدانا له، وأعَزَّنا بك، نُعطيهم أموالَنَا؟، واللهِ لا نُعطيهم إلا السيفَ، فصوَّبَ رأيَهما، وقال:"إنَّمَا هُوَ شَاءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ لَمَّا رَأَيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكُم عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ".

-حرب الخداع:

كان نعيم بن مسعود رجلًا مأمونًا عند الكل سواء قريش أو غطفان أو اليهود وحتى المسلمين لمعاملاته التجارية، فكان يخالط الجميع بحكم تجواله وترحاله، فلما كانت الخندق جاء عند المسلمين ونقل حديثًا دار بين رئيس قريش وغطفان: إني كنت عند عيينة بن حصن الفزاري وأبي سفيان بن حرب إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا، وابعثوا إلينا رجالا حتى نقاتل محمدا مما يلي المدينة، فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم، وتقاتلونه أنتم مما يلي الخندق، فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سيقع من محاصرة المسلمين من جميع الجهات بما فيها الداخلية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"فلعلنا أمرناهم بذلك"، فظنها نعيم من مكائد يهود مع محمد - صلى الله عليه وسلم - ليسلموه رؤوس كفار قريش وغطفان قوم نعيم، فأسرع بفطرته المجبولة علي النم والنقل إلى غطفان ليخبرهم بما سمع.

فقال عمر بن الخطاب:"يا رسول الله إن كان هذا الأمر من الله فأمضه، وإن كان رأيا منك فإن شأن قريش وبني قريظة أهون من أن يكون لأحد عليك فيه مقال"، والمقصود من قول عمر: ألا تجرب العرب على محمد - صلى الله عليه وسلم - كذبًا، فقال - صلى الله عليه وسلم:"بل هو رأي رأيته، إن الحرب خدعة"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:علي الرجل، ردوه"، فردوه فقال:"أرأيتك الذي سمعتني أذكره آنفا، أمسكتُ عنه، فلا تذكره لأحد"، وفي ذلك إغراء لنعيم بنقل الحديث باعتبار أنه سر عظيم وقع عليه"نعيم"."

فانطلق نعيم حتى أتى عيينة بن حصن ومن معه فقال لهم: هل علمتم أن محمدًا قال شيئا قط إلا حقًا، قالوا: لا، قال: فإنه قد قال لي فيما أرسلت به إليكم بنو قريظة:"فلعلنا نحن أمرناهم بذلك"، ثم نهاني أن أذكر لكم ... فانطلق عيينة بن حصن حتى لقي أبا سفيان بن حرب فأخبره، فقال أبو سفيان: سنعلم ذلك إن كان مكرا، فأرسل إلى بني قريظة: أنكم قد أمرتمونا أن نثبت، وطلبتم رجالًا منا يقاتلوا معكم، وأنكم ستخالفون المسلمين إلى بيضتهم، فأعطونا بذلك رهينة، فقالوا: إنها قد دخلت ليلة السبت، وإنا لا نقضي في السبت شيئا، فقال أبو سفيان: إنما أنتم في مكر من بني قريظة، وإنهم لأهل غدر: فارتحلوا.

-الحرب المعلوماتية:

وقد ظهر جليًا في وصول خبر الجموع الكافرة وتحزبها ضد الإسلام قبل تحركها، ثم إرسال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي قريظة السَّعْديْنِ، وخوَّاتَ بن جُبير، وعبدَ اللهِ بن رواحة، ليؤكدوا ما ترامى لرسول الله من نقض قريظة للعهد، وفي الحديث عند مسلم عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟"... فقال:"قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم"..."اذهب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت