فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي"... فرأيت أبا سفيان يُصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله:"ولا تذعرهم علي"ولو رميته لأصبته."
-الحرب العقابية:
وهي نتيجة لما تجرأت عليه الأحزاب، ففي الزاد: فدخل المدينةَ ووضعَ السلاحَ، فجاءه جبريلُ - عليه السلام -، وهو يغتسِلُ في بيت أُمِّ سلمة، فقال: أَوَضَعْتُمُ السِّلاحَ؟ إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تَضَعْ بَعْدُ أَسْلِحَتَهَا، انْهَضْ إلَى غَزْوَةِ هؤلاءِ، يَعْنِى بنى قُرَيْظَةَ، فَنادَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"مَن كَانَ سَامِعًَا مُطِيعًا، فَلاَ يُصَلِّيَنَّ العَصْرَ إلا في بنى قُرَيْظَة"، فخرج المسلمون سِراعًا، وكان من أمره وأمر بنى قُريظة ما قدَّمناه، واستشهد يومَ الخندق ويومَ قريظة نحُوُ عشرةٍ مِن المسلمين.
وفي الزاد: وقد قدَّمنا أن أبا رافع كان مِمَّنْ أَلَّبَ الأحزابَ على رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولم يُقتلْ مع بنى قُريظة كما قُتِلَ صاحبُه حُيَىّ بن أخطب، ورغبتِ الخزرجُ في قتله مساواةً للأوس في قتل كعبِ بنِ الأشرف ... فاستأذنُوه في قتله، فَأَذِنَ لهم، فانتدب له رِجالٌ كُلُّهُم مِن بنى سلمة، وهم عبدُ الله بن عَتيكٍ، وهو أميرُ القوم، وعبدُ اللهِ بنُ أُنيس، وأبو قتادة، الحارث بن رِبْعى، ومسعود بن سنان، وخُزَاعىُّ بن أسود، فساروا حتى أتوه في خيبر في دار له، فنزلُوا عليه ليلًا، فقتلُوه.
-الحنكة النبوية والخبرة القيادية:
وكان من سياسته - صلى الله عليه وسلم - الحرص على تقسيم الأعداء والاستفراد بهم واحدًا تلو آخر، ليؤمِّن"جيش الإسلام"من تحزب الأحزاب وتكالب الأعداء، فكان مما فعله - صلى الله عليه وسلم - أن عاهد يهود المدينة منذ قدم إليهم ليقطع باب التعاون مع المشركين أو نصرتهم في حرب دولة الإسلام، ومما فعله - صلى الله عليه وسلم - أن صالح قريشًا في الحديبية ثم سار لخيبر ضامنًا عدم مناصرة قريش لليهود، وحين حسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرب اليهود، ثم فتح مكة استدار لغطفان لينهي الأزمة ويقضي علي وجودهم الشركي.
-السنة الربانية:
وحقه أن يكون الأول ولكنَّا نؤخره ليكون الميزان:
-الدعاء: في البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا يوم الأحزاب:"اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اللهم اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم".
-العناية الإلهية: قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا" [الأحزاب 9] .
وإرسال المدد مسألة طبيعية إذا استنصر المسلم بربه ولجأ إليه لجوء المضطر، وقد عاشه الصحابة - رضي الله عنهم - في بدر وأحد واقعًا حيا، قال تعالى:"إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ" [الأنفال:9] .
قال ابن القيم: أرسلَ اللهُ على المشركين جُندًا من الريح، فجعلتْ تُقوِّضُ خِيامَهم، ولا تَدَعُ لهم قِدرًا إلا كَفَأتْها، ولا طُنُبًا، إلا قَلَعَتْه، ولا يَقِرُّ لهم قرار، وجندُ اللهِ مِن الملائكة يزلزلونهم، ويُلقون في قلوبهم الرُّعْبَ والخوفَ.
-لا يأس: قال تعالى:"سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا" [الطلاق:7] ، وقال:"إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" [الشرح:6] ، وقال:"لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ" [الزمر:53] ، وقال:"وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" [يوسف:87] ، ولنذكر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين جاءه خبر نقض قريظة للعهد ودخولهم في الأحزاب فقال:"اللَّهُ أكْبَرُ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ المُسْلِمينَ"، مع تلك المبشرات التي قالها أثناء الحفر من فتح كنوز كسرى وقيصر واليمن، والقاعدة العامة:"وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ" [الأحزاب 47] .
-أثر المعركة:
قال المباركفوري: كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام، تمخضت عن تخاذل المشركين، وأفادت أن أية قوة من قوات العرب لا تستطيع استئصال القوة الصغيرة التي تنمو في المدينة؛ لأن العرب لم تكن تستطيع أن تأتي بجمع أقوى مما أتت به في الأحزاب، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أجلى الله الأحزاب: (الآن نغزوهم، ولا يغزونا، نحن نسير إليهم) .