وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم فأمدوهم بالمال والسلاح وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد كما نقضت قريش عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه فكيف إذا أعان أهل الذمة المشركين على حرب المسلمين. والله أعلم.
فان قال قائل: وما ذنب هؤلاء الذين لم ينقضوا العهد ليشملهم العقاب؟
فلابد من العلم أولًا أنه كما هي دماء المسلمين معصومة بالإسلام فدماء الكفار مهدورة بالكفر، فإذا أُمِّنوا أو عُوهدوا أو دفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، كان ذلك بمثابة حقن مؤقت لدمائهم، فإذا انتقض العهد الموقع مع السادة أو نكث أحد الكبراء العقد، رجع الحال إلى الأصل وهو استباحة الدماء، وفي هذا تفصيل أجاد فيه وأفاد ابن القيم في الزاد -جزاه الله عنا خيرا - فقال: جواز إجلاء أهل الذِّمةِ من دار الإسلام إذا اسْتُغنِىَ عنهم، كما قال النبى - صلى الله عليه وسلم:"نقركم ما أقركم الله"، وقال لكبيرهم:"كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثم يومًا"، وأجلاهم عمرُ بعد موته - صلى الله عليه وسلم -، وهذا مذهبُ محمد بن جرير الطبري، وهو قولٌ قوى يسوغُ العملُ به إذا رأى الإمامُ فيه المصلحةَ.
ولا يُقال: أهل خيبر لم تكن لهم ذمة، بل كانُوا أهل هدنة، فهذا كلام لا حاصِل تحته، فإنهم كانوا أهل ذمة، قد أمِنوا بها على دمائهم وأموالهم أمانًا مستمرًا، نعم لم تكن الجزية قد شُرِعَت، ونزل فرضها، وكانوا أهل ذمة بغير جزية، فلما نزل فرض الجزية، استؤنف ضربها على من يعقد له الذمة من أهل الكتاب والمجوس، فلم يكن عدم أخذ الجزية منهم، لكونهم ليسوا أهل ذمة، بل لأنها لم تكن نزل فرضها بعد.
وأما كون العقد غير مؤبَّد، فذاك لمدة إقرارهم في أرض خيبر، لا لمدة حقن دمائهم، ثم يستبيحها الإمام متى شاء، فلهذا قال:"نقركم ما أقركم الله أَو ما شئنا"، ولم يقل: نحقن دماءكم ما شئنا، وهكذا كان عقدُ الذمة لقريظة والنضير عقدًا مشروطًا، بأن لا يُحاربوه، ولا يُظاهروا عليه، ومتى فعلوا، فلا ذمة لهم، وكانوا أهل ذمة بلا جزية، إذ لم يكن نزل فرضها إذ ذاك، واستباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سَبي نسائهم وذرارِيهم، وجعل نقض العهد ساريًا في حق النِّساء والذُرِّية، وجعل حكم الساكت والمقر حكم الناقض والمحارب، وهذا موجبُ هديه - صلى الله عليه وسلم - في أهل الذِّمة بعد الجزية أيضًا، أن يسري نقض العهد في ذُرِّيتهم ونسائهم، ولكن هذا إذا كان الناقضون طائفةً لهم شوكة ومنعة، أما إذا كان الناقض واحدًا من طائفة لم يوافقه بقيتهم، فهذا لا يسري النقض إلى زوجته وأولاده، كما أن من أهدر النبى - صلى الله عليه وسلم - دماءهم ممن كان يسبُّه، لم يَسب نساءَهم وذُرِّيتهم، فهذا هديه في هذا، وهو الذي لا محيدَ عنه، وبالله التوفيق.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء.
وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدًا.
إن القائد الناجح هو الذي يستطيع أن يُحيد من يستطيع عن حربه والمبدأ: مواجهة عشرة متفرقين خير من مواجهة ثلاثة مجتمعين، والخصم بعناده وكبريائه يسعى جاهدًا لحسم المعركة لوحده لإضفاء جو الرهبة في نفوس الآخرين كعمل فردي وناجح، وهذا ما سعت إليه قريش في بدر وأحد بمفردها، وحين يضيق الحال ويشرئب العجز تضطر القوى لعقد التحالفات الحربية التي تضمن معها وبها الانتصار، والكل في بوتقة الحرب الواحدة ضد هدف واحد.
-الأحزاب والفكر المتجدد:
"حرب الأحزاب"إنها تجمُع قوى معادية لحرب خصم واحد ليس بالضرورة وجود الروابط أو توحد الأهداف لقتاله، سوى القضاء عليه دون النظر لمبررات الحرب.