الصفحة 152 من 216

وهذا عين ما حدث في الخندق أو الأحزاب فقد تكالبت قوى الشر ضد دولة الإسلام، كحل حاسم لظهور قوة جديدة، بمبادئ جديدة لم يعهدها أهل الشرك والكفر.

-أسباب التحزب:

قال ابن القيم في الزاد: وكان سبب غزوة الخندق أن اليهودَ لما رَأُوا انتصارَ المشركين على المسلمين يَوْمَ أُحُد، وعلِمُوا بميعادِ أبى سفيان لِغزو المسلمين، فخرج لذلك، ثم رجع للِعام المُقْبِلِ، خرج أشرافُهم، كسلاَّم بن أبى الحُقيق، وسلاَّم بن مِشْكَم، وكِنَانة بن الرَّبيع وغيرِهم إلى قريش بمكة يُحرِّضُونهم عَلَى غَزوِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويؤلِّبُونهم عليه، ووعدوهم مِن أنفسهم بالنَّصرِ لهم، فأجابَتْهُم قريشٌ، ثم خرجُوا إلى غَطَفَان فدعَوْهُم، فاستجابُوا لهم، ثمَّ طافُوا في قبائل العربِ، يدعونَهم إلى ذلك، فاستجابَ لهم مَن استجاب، فخرجت قُريشٌ وقائدهم أبو سفيان في أربعةِ آلافٍ، ووافَتْهُم بنو سليم بِمَرِّ الظَّهْرَان، وخرجت بنُو أسد، وفَزَارَة، وأشجع، وبنو مُرَّةَ، وجاءت غَطَفَانُ وقائدُهم عُيينةُ بنُ حِصْنٍ. وكان مَن وافى الخندقَ مِن الكفار عشرة آلاف.

-دوافع التحزب:

وعليه فقد اجتمع في حرب الأحزاب ستة: قريش ودوافع حربها معلومة منذ اليوم الأول من دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومع يقينهم بصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم ناصبوه العداء ودخلوا معه حرب بدر وأحد، وعليه فحربهم متتالية بقصد استئصال شأفة الإسلام وقتل الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

أما يهود خيبر، فحسدهم وحقدهم أكبر من أن يُقعدهم عن حرب هذا الدين الجديد، وهم يعلمون علم اليقين بل حق اليقين أن المواجهة ستأتيهم لا محالة، فان سبقوه للحرب بالتحالف مع الأعراب يكن خير، فهم أقل وأحقر من أن يواجهوه لوحدهم، وهذا ما كان يدعوهم لتأليب العرب على حرب الإسلام، كما فعلوه في الأحزاب وكما فعله كعب بن الأشرف من تأليب قريش والعرب على حرب الدين الجديد.

وأما غطفان فمع بُعدها الجغرافي عن المدينة، فالنزعة الوثنية لقريش ملكت قلوبهم والانقياد للكفر أيسر عندهم من اتباع الدين الجديد، فكان في تحالفهم مع قريش الرد الواحد على دين الواحد، وفي تحزبهم مع قريش سمو ورفعة لهم دون سائر العرب، فضلًا عن وجود المطامع الذاتية والمادية التي تتحقق بالانتصار والحصول على خيرات المدينة.

وأما الأعراب فلا يعنيهم من يغلب أو يُسيطر بقدر ما يعنيهم أعمال السرقة والنهب التي ألفوها وتربوا في أكنافها، فكانوا بمثابة قطاع طرق وقراصنة قفار على كل آيب أو ذاهب، وعلى كل من تمكنهم الفرصة من الإغارة عليه واغتصاب ممتلكاته، وما عيش الكثير منهم إلا بهذه الطبيعة، الإغارة والتنعم بالغنائم والتفاخر بها، يقول صاحب الرحيق المختوم عند ذكره للأعداء بعد بدر قال:"وهناك البدو الضاربون حول المدينة لم يكن همهم مسألة الإيمان والكفر ولكنهم كانوا أصحاب سلب ونهب".

وأما قريظة فهم آخر بقايا يهود في المدينة بعد جلاء بني قينقاع ثم بني النضير، ومع رهبتهم من مواجهة محمد - صلى الله عليه وسلم - ورعبهم مما قد يجره التحزب مع الأحزاب، ولكن طبيعتهم الحاقدة على الإسلام وحسدهم الدفين تمكن في النهاية من السيطرة على عقولهم، والموافقة على إنهاء الوجود الإسلامي في المدينة، فهو عدوهم الوحيد وخصمهم الألد بعد تلك السيطرة الروحية التي كانوا يسيطرون بها على المدينة أوسها وخزرجها، فكانت الأحزاب بالنسبة لهم آخر أمل يعيد لهم مجدهم التليد في المدينة ويعيد لهم إخوانهم من اليهود الذين أُجلُوا عنها، وتمكِّن لليهودية السيطرة على المدينة لعدم وجود قوة تمنع مثل هذا التوجه إذا كان الانتصار حليف الأحزاب.

وأما المنافقون فحالهم مع الإسلام العداء من أول يوم، ولكنهم آثروا العداء القلبي والتأليب وعدم الإظهار خشية ما لا تُحمد عقباه عليهم، وقد كان دورهم واضحًا في حروب الإسلام بسراياه وغزواته، موقف المُخذل الحاسد الحاقد مع المسلمين، ومع الأعداء الموافق والمساند، وما زالوا في الخفاء حتى في الأحزاب، فلم يُظهروا كفرهم، ولكنهم آثروا التثبيط بين الموحدين، وهم في طمع أن تقدر الأحزاب على القضاء على دولة الإسلام ليعود لابن أبي ابن سلول ملك المدينة.

-المعرض العام للموقف:

ينبئنا عنه ربنا في أدق وصف وأبين حال فقال جل في علاه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت