الصفحة 95 من 216

في المفردات للراغب الأصفهاني: الظلم عند أهل اللغة وكثير من أهل العلم: وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه, وقال الفيروز آبادي: والظلم يقال في مجاوزة الحق.

وإنما ذكرنا تعريف الظلم لأن الشئ بضده يُعرف، جاء في المفردات للراغب الأصفهاني: العدل هو المساواة في المكافأة, وجاء في النهاية لابن الأثير: العدل هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم, وقال الفيروز آبادي: العدل خلاف الجور.

"إِنَّ اللّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" [النحل90] .

قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل وهو القسط والموازنة ويندب إلى الإحسان كقوله تعالى:"وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ" [النحل 126] ، وقوله:"وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" [الشوري 40] ، وقوله:"وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ" [المائدة 45] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل والندب إلى الفضل.

وقال سيد في ظلاله: جاء (العدل) الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل، لا تميل مع الهوى، ولا تتأثر بالود والبُغض، ولا تتبدل مجاراة للصهر والنسب والغنى والفقر، والقوة والضعف، إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد للجميع وإلى جوار العدل الإحسان، يلطف من حدة العدل الصارم الجازم، ويدع الباب مفتوحًا لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه إيثارًا لود القلوب، وشفاء لغل الصدور، ولمن يريد أن ينهض بما فوق العدل الواجب عليه اليدوي جرحًا أو يكسب فضلًا"."

وقال في ظلاله عند قول الله تعالى:"وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" [النساء58] ، فأما الحكم بالعدل"بَيْنَ النَّاسِ"فالنص يطلقه هكذا عدلًا شاملًا"بَيْنَ النَّاسِ"جميعًا، لا عدلًا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلا مع أهل الكتاب دون سائر الناس، وإنما حق لكل إنسان بوصفه"إنسانا".

والشمول ثابت بالنص بين المسلمين كما في قوله تعالى:"وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ"

فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الحجرات9] ، وأما مع غيرهم فكما في قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" [المائدة 8] ."

قال ابن كثير: أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد صديقا كان أو عدوا.

وقال القرطبي: ودلت الآية أيضًا على أن كُفر الكافر لا يمنع من العدل عليه.

وقال الطبري يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - , ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله, شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم, ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم, فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم, ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم, ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي, واعملوا فيه بأمري. ولا يحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم, فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوَة"."

في الموطأ بسند مرسل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حليا من حلي نسائهم، فقالوا له: هذا لك [يعني رشوة] وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: (يا معشر اليهود! والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم عليّ من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها) ، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وأمور الناس تستقيم مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت