الصفحة 96 من 216

الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم" [قلت رواه البيهقي وصححه الألباني عن أبي هريرة بلفظ: ليس شيءٌ أعجل عقابًا من البغي وقطيعة الرحم] ، فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شئ، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة.

[قلت: لم يظهر لي مقصود الإمام من اعتبار دولة الكفر عادلة ولو طبقَّت كل مظاهر العدل، فالظلم عند الكفار ذاتي كما هى النجاسة ذاتية، لا يزولا الا بزوال الكفر، وهل بعد الكفر ظلم؟ وقد قال الله تعالى:"إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"[لقمان 13] ، وقال سبحانه:"وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [البقرة 254] ].

وعلى العموم فانا نسوق ما سقناه كتوطئة لما سيكون بعده حول حكم"الحرب العادلة"في المفهوم الإسلامي، فهي إذًا تقوم على العدل والإحسان ووضع الشئ في موضعه بلا جور أو عدوان أو مجاوزة للحد، ولا اعتبار للبغض أو للحب في ميزان هذه الحرب، ولا اعتبار لمصلحةٍ تُقدم على عموم النصوص، ولا تُغمض عين لصالح هوي أو ميل في نفس، بل التعامل عام بميزان العدل.

و"الحرب العادلة"في المفهوم الإسلامي تقوم على أخلاق وآداب، قل أن توجد بل ندر إن لم نقل عدمت في سائر حروب أهل الأرض، ففيها الدقة والحيادية في الحكم بلا مجاوزة للحد وفيها التوقف والتحرز دون الخطأ.

و"الحرب العادلة"في المفهوم الإسلامي الاعتبار فيها أولًا وآخرًا لدين الله فهي من الله لله، والله أرحم بعباده من أنفسهم، وما فتح باب الجهاد إلا إغلاقًا لباب تسلط الكفر على الكافرين، وتعبيد الأرض لمن يُريد أن يختار وهو مُختار بين الدخول في دين الله وبين البقاء في رق العبودية لغير الله، وعليه الجزية التي تمنع من قتله، وعليه فـ"الحرب العادلة"تصب في مصلحة القوم أكثر منها في صالح المسلمين، يُضحي فيها المسلمون بالنفس والنفيس ويهجرون الأوطان والزوجات والأولاد، ويتركون الأرض والثروات، بل ويضحون بأنفسهم وأموالهم، لماذا؟

في الحديث عند البخاري وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"عجب ربنا من قوم يُقادون إلى الجنة بالسلاسل"وفي رواية الطبراني:"وهم كارهون".

وحتى لا يظن كل صعلوك في زُقاق أنه صاحب"حرب عادلة"، ثم يجمع الصُيع الضُيع ويكوِّن عصابة ويرفع شعار"الحرب العادلة"ويقصد بها نُصرة مظلوم أو إغاثة ملهوف أو رد حق أو نهي عن منكر.

فما هو الضابط الذي يضبط هذا المفهوم، حتى لا يأتي شذاذ الآفاق ببهرجة المصطلحات وتزويق العبارات وزخرفة الشعارات، يبغون دعوة الناس إليها، وفي الأصل حمل الناس عليها لما في أنفسهم من بواطن طمع ومكامن سرقة ونهب ورغبة في حكم.

يمكن وضع معايير للحرب العادلة:

أولًا: سمو وعدالة ووضوح الهدف:

ويتضح من قوله تعالى:"وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [التوبة: 40] وفيه الدليل على أن الهدف العام والأول هو إعلاء كلمة الله وليس أي مسمي آخر لا قبلية ولا عصبية ولا جنس أو لون، في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - سئل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل حَمِيَّةً، والرجل يقاتل شجاعةً، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فأيُّها في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"."

وفي الحديث التفات بديع لئلا يخوض في الدقائق والتفصيلات والمسميات والأوصاف المطروحة، فقد حسم الأسباب في سبب واحد جعله ميزانًا لكل من يسير على المنهج:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، وبمفهوم المخالفة: كل من سواه فليس في سبيل الله.

وعليه فالميزان الأول هو: كلمة الله ...

أولياء الله يقاتلون لتكون هي العليا ...

وأولياء الطاغوت يقاتلون لتكون هي السفلي وكلمة الطواغيت هي العليا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت