قال تعالى:"الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِين كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا" [النساء: 76] .
والعموم في قوله تعالي:"الذين آمنوا، الذين كفروا"عموم يوضح مسالك القتال بما لا يعدوها:
-سبيل الله وهو الذي يسلكه المؤمنون ولا يجوز لهم سلوك طريق غيره.
-سبيل الطاغوت وهو سبيل المجرمين وفيه يدخل كل الكفار باختلاف مسمياتهم أو أطيافهم أو لون راياتهم أو أماكن سكناهم، ولا يمكن أن يكونوا في طريق غيره، ولو رفعوا شعارات التحرير والتعمير، فهدفهم:"وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ" [التوبة 34] .
وعليه فالذي يجمع"الذين آمنوا"هو"سبيل الله"والذي يجمع"الذين كفروا"هو"سبيل الطاغوت".
وما يزيد في سمو الهدف الإسلامي أنه مؤيد بالله ومن كان الله معه فمن عليه؟
قال تعالى:"يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" [التوبة: 32] .
ثانيًا: الانضباط بقائد والالتزام بالهدف:
فحروب الإسلام قادها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه الشريفة وبتوجيهه لخيار الصحابة ممن يُعرف بخبرته القتالية وحنكته في المعارك الحربية، على هذا سار في معاركه وغزواته - صلى الله عليه وسلم -، فأما قدرته القيادية على نور من الله فهي مما قامت عليه الأدلة القرآنية والأدلة العقلية وشهد له بها المقر والمخالف، وماذا نقول فيمن جاء القرآن بتزكيته؟
وأما تخيره للقادة فهو من الدقة بمكان ولا اعتبار للمحبة أو القرابة أو حتى السبق للإسلام بل المعيار هو القدرة على القيادة، وأوضح دليل على ما نقول ما جاء في غزوة مؤتة فقد استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة وقدمه على ابن عمه جعفر، وقال:"إن أصيب -أي زيد- فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة" [البخاري عن ابن عمر] ومنه يتضح الانضباط بمُسمى القائد، والحسم يكون بين الأخيار إذا قُتل القائد، لذلك اتفقت كلمة المسلمين على خالد بن الوليد بعد مقتل القادة الثلاثة.
وهناك وضوح في الغاية والنهاية في كل معركة وهذا واضح جلي في أمره - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص قائد سرية الخرار، فقد عهد إليه أن لا يجاوزها، وكما في الطبقات لابن سعد والسيرة الحلبية من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأسامة:"سر إلى موضع قتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحًا على أهل أبنى - ناحية بالبلقاء من أرض سوريا، بين عسقلان والرملة، وهى قرب مؤتة - وحرق عليهم، وأسرع السير لتسبق الأخبار، فإن أظفرك الله عليهم، فأقل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاء، وقدم العيون والطلائع معك"، وواضحة أسباب السرايا والغزوات والتي ما كانت تتعدي هدفها، كاغتيال أو فض جمع أو تأديب قوم.
ومن لازم القيادة أن يسير الخلف على منوال السلف بلا حيد عن الطريق، لأنه مما اتفق عليه سلفًا أن الطريق واحدة فإذا وقع التغيير فالإثم على المُبدِّل، والسير على نفس المسار هو دأب الصادقين، يوضحه موقف أبي بكر من مراجعة عمر له في شأن إبقاء جيش أسامة واستخدامه للدفاع عن المدينة أو حرب المرتدين، فقال أبو بكر:"والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة" [البداية والنهاية] .
ومن ذلك قوله في مراجعة عمر له بشأن ولاية أسامة على الجيش بقوله:"ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! أؤمر غير أمير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
ومع أن هذه المسائل اجتهادية وهي تخضع للمصلحة التي يراها الإمام، فقد كانت المصلحة كل المصلحة في الاتباع، وعلى هذا سار الخلائف واحدًا تلو الآخر على الرغم من الفروق المتباينة فيما بينهم، ولكن كانت تجمعهم صفتان:
-تخير خير القواد لفتح البلاد، ممن سيرتهم وسريرتهم الورع والتقوى بجانب الخبرة والحنكة والدراية إلا في الاستثناء وليس بقاعدة، حتى لو قيل:"الحجاج"! فعلي الرغم مما قيل فيه فقد امتلك مواصفات المروءة والرجولة والقيادة وهو من هو، ويكفيه أنه كان تام الولاء للخليفة"عبد الملك بن مروان"حتى ما كان يوجد من هو ألزم منه في قرار الخليفة.
-الرجوع في التوسع والفتح للقيادة العليا وكما بدأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد سار من بعده على نفس الهدي، كان مجلس الخليفة هو الذي يحدد أين تسير الجيوش والقواد وحدودها، مثاله تسيير الجيوش في حرب الردة للقبائل ثم حرب العراق والإذن فيه من عمر للمثنى بن