جاء عند ابن هشام:"لما افتتح رسول الله مكة كلمه"أبو أحمد"في دارهم، فأبطأ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال الناس لأبي أحمد إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكره أن ترجعوا في شئ من أموالكم أصيب منكم في الله - عز وجل -، ومن ترك شيئا لله لا يجوز الرجوع إليه".
ثم انه لم يصل إلينا بما صح من الحديث أو حتى ضعف، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استرد شيئا مما كان يملكه وأهله في مكة قبل الهجرة، ولم يبحث عن دار أو دواب، ومثله الصحابة جميعًا لم يُنقل عن واحد منهم بسند يُحتج به، رواية تثبت أخذهم لبعض مما تركوه قبل الهجرة، وعليه فيُعتبر سنة نبوية وإجماعًا صحابيًا على عدم الرجوع في شئ تركه الصحابة لله.
ثم إن حرب قيصر وكسري تدور في هذا الفلك وهي"الحرب التبادلية"مع دولة الإسلام، روى ابن هشام عن ابن إسحاق قال: وبعث"فروة بن عمرو"إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسولًا بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان"فروة"عاملًا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله"مَعَان"وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم ... ثم ضربوا عنقه وصلبوه - رضي الله عنه -، فكانت الروم تستحق العقوبة والتأديب على فعلها، ومن هنا بدأت جبهة الروم بالفتح، لأنها بدأت بإعلان الحرب، لذلك أمّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبيل وفاته"أسامة بن زيد"على جيش متوجهًا للشام لحرب الروم ومن يواليهم من العرب.
وأما فارس فإنها بدأت بإعلان الحرب منذ أول يوم بلغها فيه دين محمد - صلى الله عليه وسلم - كرسالة عالمية، وذلك حين بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابًا إلى كسرى ملك الفرس يدعوه فيه إلي الإسلام، فلما قرأه كسرى خرَّقه، ثم توالى الأمر من قول وتمزيق للرسالة إلى فعل، بأمره لعامله على اليمن بإحضار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه، جاء عند البخاري:"أن كسري بعث إلى باذان عامله على اليمن لكي يرسل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من يأتيه به، فقال أحد مبعوثي باذان للنبي - صلى الله عليه وسلم -، بعد أن طلب إليه الذهاب معه ليمثل أمام كسرى: فان أبيت فهو - أي كسرى - ممَن قد علمت، فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك".
إذن حالة العداء المتبادلة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ممثلًا عن دولة الإسلام وبين من يعاديه كقريش أو الروم والفرس، كانت تعني استباحة ما تصل إليه اليد من الطرف الآخر، وهو يعني جواز استباق العدو بحركة أو غزوة أو إغارة، ويكفي العداء المبدئي سببًا للحرب، ولا يتوقف القائد الإسلامي عند حد الأخذ بالفعل، والمعاقبة تتبع الفعل والجزاء على قدر العمل، بل عليه أن يستبق عدوه بحركة ولا يركن لعهد مؤقت أو أمان مُعجل، فالعدو يتربص الدوائر ويتحين الفرص للحرب، فإن بقي المسلم في دَعة حتى يأتيه عدوه فإنها والله مذلة الدهر، والمؤمن لا يُؤخذ على حين غَرة، فما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، وكما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد الخندق:"اليوم نغزوهم ولا يغزونا".
والمقصود يكفي أن"الآخر"قد ناصب الإسلام ودولته العداء ليستجيز المسلم ما تطاله يده من غنائم وأموال، أفرزتها حالة الحرب المُعلنة بين الطرفين، وسواء أطال أمد اللاحرب أم قصر فالمواجهة قادمة لا محالة والمؤمن كيس فطن، لا يدع عدوه يقوى ويشتد عوده ثم يُحاول كسره، بل ينسفه نسفًا بمجرد تفكيره بالجمع والحرب.
قال تعالي:"أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ" [التوبة13] .
-"الحرب المتبادلة"مع النصارى:
في الرحيق المختوم حول معركة مؤتة: وهذه المعركة أكبر لقاء مثخن، وأعظم حرب دامية خاضها المسلمون في حياة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وهي مقدمة وتمهيد لفتوح بلدان النصارى ... وسبب هذه المعركة أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني وكان عاملًا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر فأوثقه رباطًا، ثم قدمه، فضرب عنقه، وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، يساوي بل يزيد على إعلان حالة الحرب، فاشتد ذلك على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حين نقلت إليه الأخبار، فجهز إليهم جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب.
جاء في لسان العرب: الدمار هو الإهلاك، وفي المحيط والوسيط: دمر: أباد.