الصفحة 40 من 216

حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ... فهو في عز في قومه، ومنعة في بلاده، وإنه قد أبى إلا الانحياز لكم، واللحاق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه، ممن خالفه فأنتم، وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه.

ثم إن البيعة كان واضحة جلية بالمنعة والنصرة وكان مما بايعهم عليه - صلى الله عليه وسلم:"أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم"، وفهم الصحابة - رضي الله عنهم - الحديث جيدًا فقد أخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا - جمع إزار ويكنى به عن المرأة -، فبايعنا يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنحن أهل الحروب، وأهل الحَلَقَة - السلاح - ورثناها كابرًا عن كابر" [أحمد في المسند بسند حسن] ."

ومن النص يتضح دلالة تحمل الأمر من بدايته واستعدادهم لمواجهة ما يلحق بهم من حرب أو غيرها نتيجة للبيعة والاتفاق، فلما ظهر من قريش التهديد بالحرب كان بمثابة الإنذار العملي للاستعداد للمواجهة.

وما دام الأمر قد سار بهذه الحالة الحربية المُعلنة من الطرفين، فان كل طرف في حِل من أي عهد سبق بينه وبين الطرف الآخر، بمعنى: كل طرف يستحل ما يصل إليه من الطرف الآخر سواءًا كان مالًا أو سلاحًا أو حتى رجالًا كأسر وما شابه مثل الإغارة والتبييت.

وفي البخاري حديث يوضح شيوع أمر العداء بين قريش والمدينة، وتحفظ قريش المبدئي والمؤقت على حرب المدينة أو قتل من تطاله يدها، أخرج البخاري عن سعد بن معاذ أنه كان صديقا لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة انطلق سعد معتمرًا، فنزل على أمية بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت فخرج به قريبًا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما، فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة ..."، وفى رواية البيهقي:"والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن عليك متجرك إلى الشام"."

وهذا العداء ليس وليد اللحظة ولا هو من قبيل الصدفة، بل كان متملكًا لنفوس الطرفين منذ بيعة العقبة الثانية، فبعد المبايعة مباشرة قال العباس بن عبادة - رضي الله عنه: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل"منى"غدًا بأسيافنا، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم:"لم نؤمر بذلك". [ابن هشام ووضعها تحت عنوان: استعجال المبايعين للإذن بالحرب] .

أما من جهة قريش فكان الأمر بغاية الوضوح بحيث يستغني عن إقامة الدليل، فقد قالت قريش لوفد الخزرج صبيحة المبايعة: إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا منكم"."

ولما تيقنت قريش الخبر خرجت في طلب القوم فأسروا سعد بن عبادة - رضي الله عنه - وأعجزهم المنذر بن عمر وكلاهما كان من"النقباء"، ثم أقبلوا بسعد مشدود الوثاق يضربونه ويلكمونه لكما شديدًا وكان من تولى كبرها سهيل بن عمرو إلى أن أجاره جبير بن مطعم والحارث بن حرب" [ابن هشام] ."

والمقصود أن البيعة كانت في حد ذاتها إعلان لحالة الحرب بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه وبين قريش، ويكفي هذا الأمر لاستباحة كل طرف ما يستطيع تحصيله من غنائم وغيرها.

ثم ما سبب غزوة المريسيع وغزوة دومة الجندل، أكان استردادًا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما تركه الصحابة عندهم قبل الهجرة؟

ما كانوا عندهم ليهاجروا ولا تركوا شيئا ليستردوه، وما بينهم وبين الأقوام أمر يستحق الحرب، ولكن حين قامت بنو المصطلق ودومة الجندل بجمع الجموع وتجهيز الجيوش لغزو المدينة، كان يعني إعلان الحرب على مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويكفي الموقف لأن يُجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجيش ويخرج بنفسه الشريفة قائدًا لحربهم.

والسؤال من ترك شيئا لله، أيجوز له الرجوع إليه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت