الصفحة 39 من 216

أما لو كان هذا السبب، كما يسوقه أكثر من يتحدث عن غزوة بدر وكأن السبب أصبح من الحقائق والمسلمات، فما عُذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حرب أكثر العرب الذين لم يأخذوا منه درهمًا ولا اغتصبوا له دارًا؟

ما سبب حرب الأنصار لقريش ألأن رسول الله هاجر إليهم؟

أما لو كان ذلك لكان يعني موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قتله انتهاءً لعهد الحرب بينهم، وما يكون.

وما الذي دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحارب الروم؟

وما الذي دعاه لأن يعتبر فارس في حكم الأعداء؟

إنها"الحرب التبادلية"، كل طرف فيها أعلن الحرب على الآخر سواء سبق هذا الطرف أو ذاك، إنها تعني تربص الدوائر بالآخر والاستعداد لمواجهته وإعلان محاربته ومناصبته العداء.

والمقصود: لا داعي للدفاع عن الإسلام بأن الحروب فيه كانت دفاعية فقط، مما يعني أن سبب الإغارة على عير قريش كان من أجل استعادة بعض الحق المسلوب من المهاجرين في مكة، فإن أول سرية وأول لواء عقده الرسول - صلى الله عليه وسلم - لحمزة - رضي الله عنه - كان لاعتراض عير لقريش بعد سبعة أشهر من الهجرة، ثم على رأس ثمانية أشهر عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لواء لأبي عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين فلقي أبا سفيان بنَ حرب، وهو في مائتين على بَطن رابغ، على عشرة أميالٍ من الجُحْفَةِ، وكان بينهم الرمي، ولم يَسُلُّوا السيوف، ولم يصطفوا للقتال، وإنما كانت مناوشة، كما ذكره ابن القيم في الزاد.

وعليه فإن الحال منذ خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من مكة بل وقبل الخروج، كان بمثابة إعلان قريش للحرب على دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو ما يعني مبادلتها هذا الإعلان ثم تحين الفرص لاستقدام الآخر لحرب ينتصر فيها أحدهما فعند أبي داود:"وقد كتبت قريش للمهاجرين: لا يغرنكم أنكم أفلتمونا إلى يثرب سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم".

وهذا يعني إعلان قريش للحرب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من أهل المدينة، وعند ابن هشام ما يؤكد أن قريشًا هي من بدأت بإعلان حالة الحرب على دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وقد أرسلت للأوس والخزرج:"والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم".

وعند أبي داود وضوح في الصورة لحالة الحرب التي افترضتها قريش ودعت الأوس والخزرج لتبنيها، إما أن تسلمونا من هاجر إليكم أو تقاتلوهم أو نقاتلكم جميعًا، وهو خطاب يحمل فيه تهديد مباشر باحتمالات لا تقبل أكثر من المطروح، وفيه زيادة في التهديد عن القتل باستباحة النساء وابادة الخضراء مما يعني حرب استئصال لا رحمة فيها، روى أبو داود:"أن كفار قريش كتبوا إلى"ابن أبي"ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك"عبد الله بن أبي"ومن كان معه من عبدة الأوثان، اجتمعوا لقتال النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيهم فقال:"لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم"، فلما سمعوا ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش فكتبت قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء - وهي الخلاخيل-، فلما بلغ كتابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أجمعت بنو النضير بالغدر."

إذن كان الأمر إمعان في التهديد يصل إلى حد قتل المقاتلة واستباحة النساء، وليس الاكتفاء فقط بقتل وأسر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه، وقد تكرر التهديد ليدل على عزم وحزم من قريش لليهود أيضًا وهم الذين يشملهم حلف حماية المدينة مع الأنصار والمهاجرين، مع العلم أن المدينة لم تدخل في حرب مباشرة أو غير مباشرة مع قريش سلفًا، حتى تصب جام غضبها وبهذه القسوة التهديدية التي تطال الآمنين في بيوتهم من نساء وذرية.

إذن ما المتوقع وهذا الأمر قد بان لكل من ملك جنان؟

أيبقى رجال المدينة بأوسهم وخزرجهم بانتظار إغارة قريش عليهم واستباحة بيضتهم، واستئصال شأفتهم، أم هل ينتظرون نقض العهد وخيانة اليهود وتسليم محمد - صلى الله عليه وسلم - للقتل وهم من بايعه على النصرة والمنعة والحماية، وقد قال العباس - رضي الله عنه - في بيعة العقبة الثانية: إن محمدًا منا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت