شديد، وعمتها الفوضى والاضطراب، إلا أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من مضاعفة هجمات المشركين؛ لظنهم أنهم نجحوا في غاية مرامهم، فاشتغل الكثير منهم بالتمثيل في قتلى المسلمين.
وبموقف يدل على أثر الإشاعة ولكنها عند الصحابة لها طعم خاص غير الانهزام الذي يُسيطر على الأعداء، هنا إقدام وشجاعة وقتل وضراب، قال ابن إسحاق: انتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يُجلسكم؟، قالوا: قُتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟، قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قُتل، قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه.
2 -صلح الحديبية:
قال صاحب الرحيق: إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان: واحتبسته قريش عندها - ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم في الوضع الراهن، ويبرموا أمرهم، ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة - وطال الاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بلغته الإشاعة:"لا نبرح حتى نناجز القوم"، ثم دعا أصحابه إلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات، في أول الناس ووسطهم وآخرهم، وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيد نفسه وقال:"هذه عن عثمان"، ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه.
فكان من أثر هذه الإشاعة المبايعة على الموت، وهذه البيعة - بيعة الرضوان -هي التي أثنى الله على أصحابها بقوله جل في علاه:"لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة" [الفتح: 18] .
-غزوة الخندق:
جاء في مصنف عبد الرزاق بإسناد جيد وذكر الحافظ في الفتح سندًا مُصرحًا فيه بسماع ابن إسحاق وفي الإصابة سندًا على شرط مسلم: أن نعيم بن مسعود هو من أشاع حادثة اتفاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود علي خذلان الأحزاب، وبحكم سليقته وجبلته في نقل الحديث لم يألُ جهدًا في بذل النصيحة لقومه غطفان بما سمعه، قال الحافظ في الفتح بعد رواية القصة المشهورة الباطلة ثم أتبعها بقوله: قال ابن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة أن نعيمًا كان رجلا نمامًا وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:"إن اليهود بعثت إليَّ إن كان يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رهنا ندفعهم إليك فتقتلهم فعلنا"، فرجع نعيم مسرعًا إلى قومه فأخبرهم، فقالوا: والله ما كذب محمد عليهم، وإنهم لأهل غدر، وكذلك قال لقريش، فكان ذلك سبب خذلانهم ورحيلهم"."
-علاج ومواجهة حرب الإشاعات:
ما قيل في مواجهة الحرب النفسية يقال هنا، ويكفينا من العلاج الوقاية كما أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع".
وأما العلاج كسهم لا يخطئه راميه فنجده في قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" [الحجرات 6] .
جاء في محيط المحيط: كلُّ جماعةِ رجالٍ وخيلٍ بفُرْسانِها، أَو جماعةِ طير أَو غيرها: عُصْبة وعِصابَةٌ.
"حرب العصابات": تشكيلة قتالية من أفراد جمعهم مبدأ وعقيدة فكرية، تُقاتل في الأغلب جيشًا معاديًا، بهدف إظهار مبدأ الجماعة أو تهييئ الظروف لإعلان التواجد الفكري على الأرض كواقع حي.
تمر"حرب العصابات"في أطوار، قلما بل لا نتجاوز الحد إن قلنا: لا يمكن أن تخرج عنها عند كل من يخوض هذه الغمار الحربية، وهذه الأطوار غير مرتبطة بزمن معين بل تختلف باختلاف الواقع العسكري من قدرات وإمكانات أو ظروف مواتية للعمل، وقد تختلط