الصفحة 187 من 216

الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القَالَةُ، حتى قال قائلهم: لقي واللّه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول اللّه، إن هذا الحي من الأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال:"فأين أنت من ذلك يا سعد؟"قال: يا رسول اللّه، ما أنا إلا من قومي، قال:"فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة"، فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال: لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فحمد اللّه، وأثني عليه، ثم قال:"يا معشر الأنصار، ما قَالَةٌ بلغتني عنكم، وَجِدَةٌ وجدتموها عليَّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالًا فهداكم اللّه؟ وعالة فأغناكم اللّه؟ وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم؟"قالوا: بلي، اللّه ورسوله أمَنُّ وأفْضَلُ.

ثم قال:"ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟"قالوا: بماذا نجيبك يا رسول اللّه؟ للّه ورسوله المن والفضل، قال:"أما واللّه لو شئتم لقلتم، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ: أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسَيْنَاك، أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدنيا تَألفَّتُ بها قومًا ليُسْلِمُوا، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى رحالكم؟"

فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْبًا، وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، اللّهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار"، فبكى القوم حتى أخْضَلُوا لِحَاهُم وقالوا: رضينا برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قَسْمًا وحظًا."

لقد كان بامكان هذه الإشاعة والتي مفادها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى قبيلته ولم يُعطِ الأنصار، كان بإمكانها أن تُفرق الصف لما فيها من طعن بنزاهة وعدالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ثانيًا: بث روح اليأس في نفس الجيش:

وقد أصبحت هذه السياسة سليقة عند المنافقين، فهو مما عاهدوا عليه شياطينهم، تثبيط الجيش الإسلامي حتى ليصدق فيهم: المثبطون والمرجفون، فما كانوا ليدعوا معركة إلا ويخوضوا فيها بألسنتهم كذبا ًوتضليلًا لتفريق الصف وتشتيت الشمل، وأحاديثهم مشهورة مبثوثة، قال تعالى:"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". [آل عمران 173] .

ثالثًا: التفريق بين الأحلاف:

كما حدث حين تردد الخبر في فتح مكة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيمكث فيها ولن يرجع إلى المدينة، قال صاحب الرحيق: ولما تم فتح مكة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي بلده ووطنه ومولده - قال الأنصار فيما بينهم: أترون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها - وهو يدعو على الصفا رافعًا يديه - فلما فرغ من دعائه قال:"ماذا قلتم؟"قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم".

كان بإمكان هذا القول الذي تردد بين الصحابة - رضي الله عنهم -، أن يفرق بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين من نصره وآواه، بل يجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاشاه- في صف الكاذبين فقد كان من حديث العقبة والمبايعة، أن أبا الهيثم بن التَّيَّهَان قال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

قال: فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال:"بل الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الْهَدْمُ، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".

-الإشاعة وأثرها:

1 -غزوة أحد:

في"أحد"قتل ابن قمئه مصعب بن عمير - رضي الله عنه -، ظانًا أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لشبهه به، فصاح: إن محمدًا قد قتل.

قال المباركفوري: ولم يمض على هذا الصياح دقائق، حتى شاع خبر مقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - في المشركين والمسلمين، وهذا هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين، الذين لم يكونوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانهارت معنوياتهم، حتى وقع داخل صفوفهم ارتباك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت