الصفحة 186 من 216

وفي لفظ آخر: وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نَوْبَتِهِ، فرجع عشاء، فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال: أنائم هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم. فقلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم منه وأطول، طلق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - نساءه"."

"لكل شائعة نصيب من الحقيقة"وهذا ما جعل الصحابة يرتعبون من ترامي الأخبار بهجوم الغساني على المدينة.

أما خطورة الشائعة من جهة المُروّج، فإن من يتناقلها ويتداولها هم رجال المجتمع المستهدَف نفسه، فلا يأتي العدو ليقول ويتحدث، بل إن الخبر إذا وصل لطويل اللسان تكفل بنقله بالمجان، وأصبح لسانًا يتحدث بمقال خصمه، وهنا الأزمة: حين يظن السامع أن أخاه صادق فيما يقول مع أنه أكذب الكذابين.

وحدة الخطورة تزداد بمضاعفة الحديث أو المزايدة على النقل، فليت الأمر يتوقف عند نقل ما وصل إلى الأذن بل يتعداه بالتزويق والتلوين والبهرجة والزخرفة، بحيث يصبح جبلًا بعد أن كان حصاة، ففي غزوة"بني المصطلق"وإشاعة الخبيث ابن أبي ابن سلول لحادثة الإفك أراد عمر - رضي الله عنه - قتل هذا المنافق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كيف يا عمر إذا تحدث الناس إن محمدًا يقتل أصحابه" [ابن سعد والحديث في الصحيح] .

وهنا ملاحظات:

-الأولى: إرادة عمر قتل واحد فلم يتعداه القول ليصبح:"أصحابه"؟

هذه طبيعة المتكلم، يستقل نقل خبر قتل واحد، فيُضيف إليه ثان حتى يستحق الخبر النقل، وهكذا كل ناقل لتصبح المحصلة:"محمد يقتل أصحابه"، وهذا مُشاهد وملموس في وصف أي معركة يكون القتيل فيها واحد، فيضاف إليه آخر بجراح خطرة وخمسة متوسطة وعشرون خفيفة، مع أن كل من خاض المعركة لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، وليس غريبًا أن يبدأ الخبر برؤية فتاة تسأل شابًا عن عنوان، لينتهي الخبر برؤيتها تحمل غلامًا من الزنا.

-الثانية: الناقل - في الأغلب - لن ينقل بقصد أو بدونه، أن القتيل منافق ويستحق القتل، بل سينسج قصة من بنيات أفكاره ليستغلها في إيصال المعلومات الخاطئة، بحيث يُصنف ابن أبي ابن سلول في مصاف خير الصحابة، ويجعل عمر هو الظالم الباغي القاتل.

-الثالثة: قد لا يجد الناقل كبير فائدة في ترويج حادثة قتل رجل من المنافقين ويكون القاتل عمر، ولكن حين يُنسب الفعل للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يُلاقي من القبول ما لا يلاقيه إن كان القاتل أو الآمر أحد الصحابة، بالرغم من علم الناقل أو جهله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أمر وربما ما علم، مثاله ما حدث في سرية عبد الله بن جحش التي قاتلت في الأشهر الحرم وكيف اتخذتها قريش ذريعة لتأليب العرب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بأنه اخترق كل ما تعارف عليه العرب، ولولا أن الله حسم الموقف بقرآن يُتلى، لبقيت المدينة في بلبلة وقلق إلي حين.

وأما تأثير الشائعة فهو جد خطير على المجتمع المسلم من الجبهة الخارجية والداخلية على السواء، فهي تدعم ذوي التيارات المناهضة للدولة إلى التحرر من الطاعة والانطلاق في فلك الإفساد الداخلي، بزرع بذور الدسائس والشك والبلبلة والفتنة في الصف المُستهدف وهي تسعى بالأساس:

أولًا: التفريق بين القادة والجند وهي على ضربين:

الأول: شخص القائد: كما فعلها ابن أبي بالطعن في شرف الطاهرة المشرفة المبرأة عائشة -رضي الله عنها وجعل حبها وأبي بكر وعمر ميزان الحق بين الخلق-، فقد علم الخبيث أن الطعن في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما له إليه من سبيل، فطعن بالمُقدس عند العرب، وقد فعلها الزنديق في غزوة بني المصطلق و"جيش الإسلام"خارج المدينة، وهذا يدل على الحرج في توقيت الإشاعة، وقد وقع في الفخ حسان ومسطح وحمنة رضي الله عنهم. [ذكر الأسماء الطبري في التفسير وابن حجر في الفتح] .

وحاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخوض غمار مثل هذا السفه، بأن يطعن في شرف الحرائر من خصومه، بل حتى قريش بما فيها من شرك وكفر وحرب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لم تجرؤ على هذه الحرب وهي الطعن بشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

الثاني: سيرته: كما حدث في تقسيم الغنائم بعد حنين، فقد روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: لما أعطى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى من تلك العطايا - يقصد إعطاء المؤلفة قلوبهم - في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في أنصار منها شيء، وَجَدَ هذا الحي من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت