الصفحة 89 من 216

جاء في المحيط: شمل الأمر القوم: عمهم.

"الحرب الشاملة"هي حرب تستوعب الكل وتقصد الكل، وتُعمم فيدخل فيها كل الخصوم.

للحرب على العموم نمطان:

-الحرب المحدودة: والتي تستهدف أحد الخصوم - والمقصود هنا الخصم بجيشه ودولته -بقتله أو الضغط عليه، بأسر أو إرهاب ليخضع لسياسة الدولة والدخول ضمن أهدافها.

-الحرب الشاملة: والتي تهدف للقضاء على الخصم, واستئصال مراكز قوته، وإنهاء تواجده السياسي على خارطة الواقع، بمعنى أنها تُعيد رسم خارطة التواجد، وتفرض واقعًا جديدًا يقرره المنتصر بما ينبع من منهجه وأفكاره.

لخص الإمام ابن القيم أحوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد فقال في الزاد: أوَّل ما أوحى إليه ربُّه تبارك وتعالى: أن يقرأ باسمِ ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمرْه إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه:"يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ" [المدثر 1،2] فنبأه بقوله:"اقْرَا" [العلق 1] ، وأرسله بـ"يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ"، ثم أمره أن يُنذِرَ عشيرتَه الأقربِينَ، ثم أنذر قومَه، ثم أنذرَ مَنْ حَوْلَهُم مِن العرب، ثم أنذر العربَ قاطبة، ثم أنذر العالَمِين، فأقام بِضْعَ عشرة سنة بعد نبوته يُنْذِرُ بالدعوة بغير قتال ولا جِزية، ويُؤمر بالكفِّ والصبرِ والصَّفح.

ثم أُذِنَ له في الهجرة، وأُذِنَ له في القتال، ثم أمره أن يُقاتِل مَن قاتله، ويَكُفَّ عمن اعتزله ولم يُقاتله، ثم أمره بِقتالِ المشركين حتى يكونَ الدِّينُ كُلُّه لله، ثم كان الكفارُ معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهلُ صُلح وهُدنة، وأهلُ حرب، وأهلُ ذِّمة، فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يُوفى لهم به ما استقامُوا على العهد، فإن خاف منهم خيانة، نبذَ إليهم عهدهم، ولم يُقاتِلْهم حتى يُعْلِمَهم بِنَقْضِ العهد، وأُمِرَ أن يقاتل مَن نقض عهده.، ولما نزلت سورة (براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها أن يُقاتِل عدوَّه مِن أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزيَةَ، أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجِهَادِ الكُفَّارِ والمنافقين والغِلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيفِ والسنانِ، والمنافقين بالحُجَّةِ واللِّسان.

وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عُهودهم إليهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام:

-قسمًا أمره بقتالهم، وهُم الذين نقضُوا عهده، ولم يستقِيموا له، فحاربهم وظهر عليهم.

-وقسمًا لهم عهد مُؤقَّت لم ينقضُوه، ولم يُظاهِروا عليه، فأمره أن يُتِمَّ لهم عهدَهم إلى مدتهم.

-وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يُحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يُؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم، وهى الأشهر الأربعة المذكورة في قوله تعالى:"فَسِيحُوا في الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ" [التوبة 2] وهى الحُرُمُ المذكورة في قوله:"فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ" [التوبة: 5] ... وهو إنما أجلهم أربعة أشهر، ثم أمره بعد انسلاخها أن يُقاتلهم، فقتل الناقض لعهده، وأجَّل مَنْ لا عهد له، أو له عهد مطلق أربعة أشهر، وأمره أن يُتمَّ للموفي بعهده عهدَه إلى مدته، فأسلم هؤلاء كُلُّهم، ولم يُقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضَرَبَ على أهل الذِّمة الجِزية.

فاستقر أمرُ الكفار معه بعد نزول (براءة) على ثلاثة أقسام: محاربينَ له، وأهلِ عهد، وأهلِ ذِمة، ثم آلت حالُ أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذِمة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهلُ الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمِن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب.

وقال صاحب الرحيق: قال تعالى:"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" [الحج39] .

وكان الإذن مقتصرًا على قتال قريش، ثم تطور فيما بعد مع تغير الظروف حتى وصل إلى مرحلة الوجوب، وجاوز قريشًا إلى غيرهم، ولا بأس أن نذكر تلك المراحل بإيجاز قبل أن ندخل في ذكر الأحداث:

1 -اعتبار مشركي قريش محاربين؛ لأنهم بدأوا بالعدوان، فحق للمسلمين أن يقاتلوهم ويصادروا أموالهم دون غيرهم من بقية مشركي العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت