الصفحة 88 من 216

-"الحرب السرية"تنشئ الدولة وتحمي الدين وتنصر الرسول - صلى الله عليه وسلم:

قال كعب بن مالك - رضي الله عنه: فنمنا تلك الليلة - ليلة العقبة الثانية - مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نتسلل تسلل القَطَا، مستخفين، حتى اجتمعنا في الشِّعْب عند العقبة، قال ابن القيم: فلما كانت لَيْلَةُ العقبةِ الثلثَ الأول مِن الليل تسلَّل إلى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثةُ وسبعونَ رَجُلًا وامرأتانِ، فبايعُوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خِفية مِن قومهم، ومِن كُفَّارِ مكة، على أن يمنعُوه مما يمنعونَ مِنه نساءهم وأبناءهم وأزُرَهم ... فلما تمت هذه البيعةُ استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يميلوا على أهل العقبةِ بأسيافهم، فلم يأذَنْ لهم في ذلك، وصرخَ الشيطانُ على العَقَبَةِ بأنفَذِ صوت سُمِع: يا أهلَ الجباجب هل لكم في مُذَمَّمٍ والصُّبَاةُ معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"هذا أَزَبُّ العقبة، هذا ابنُ أزيْب، أما واللهِ يا عدُوَّ الله لأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ".

ثم أمرهم أن ينفضُّوا إلى رحالهم، فلما أصبحَ القومُ، غدَتْ عليهم جِلَّةُ قريش وأشرافهُم حتى دخلوا شِعب الأنصار، فقالوا: يا معشرَ الخزرجِ، إنه بلغنا أنكم لَقِيتُم صاحِبَنَا البارحة، وواعدتمُوه أن تُبايعُوه على حربنا، وايمُ اللهِ ما حىٌ مِن العرب أبغضَ إلينا من أن يَنْشَبَ بيننا وبينه الحربُ مِنكم، فانبعثَ مَن كان هُناك من الخزرج مِن المشركين، يحلِفُونَ لهم بالله: ما كان هذا وما عَلِمْنا، وجعل عبدُ الله بنُ أُبَيّ بن سلول يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي لِيفتاتُوا عليّ مِثل هذا، لو كنتُ بيثربَ ما صنع قومى هذا حتى يُؤامروني، فرجعتْ قريش مِن عندهم، ورحل البراءُ بن معرور، فتقدَّم إلى بطن يَاجَج، وتلاحق أصحابُه مِن المسلمين، وتطلَّبتهُم قريشٌ، فأدركوا سعدَ بْنَ عُبادة، فربطوا يديهِ إلى عُنقهِ بِنسْعِ رَحْلِه، وجعلوا يضرِبُونه، ويَجرُّونه، ويَجْذِبونَهُ بِجُمَّتِهِ حتى أدخلُوه مكَّة، فجاء مُطْعِمُ بنُ عدى والحارث بن حرب بن أُمية، فخلصَّاه من أيديهم، وتشاوَرَتِ الأنصارُ حين فقدُوه أَن يَكِرُّوا إليه، فإذا سَعْدُ قد طَلَعَ عليهم، فوصلَ القومُ جميعًا إلى المدينة.

-"الحرب السرية"طريق لتخذيل الأحزاب:

بعد الاحاطة الشاملة من أحزاب الشرك والضلال لمدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما تلاها من خيانة اليهود وتمالئهم على المسلمين وخذلان المنافقين، بحيث لم يبق إلا صادق الإيمان، أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القيام بخطوة يسعى من خلالها لتشتيت صف الأعداء والتخذيل فيما بينهم، فاتصل سرًا- وهذا الذي يفترضه استقراء الحدث، أو على الأقل بمن ينوب عنه مع أنه احتمال ضعيف جدًا لعدم وروده- بعُيينَة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان ليصالحهم على ثلث ثمار المدينة، حتى ينصرفا بقومهما ويخلوا الأمر، بل يعود إلى العهد المعهود: قريش وحدها، ساعتها تُدرك ضعفها وعجزها، وجرت المناقشة والذي يظهر منها الموافقة من طرف سيدي غطفان، لأن الذي رفض هما السعدان سيدا الأنصار، وقد كانت الاستشارة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهما بعد اتصاله بسيدي غطفان، لقولهم: يا رسول الله، إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرًي أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟، والله لا نعطيهم إلا السيف، فَصَوَّبَ رأيهما وقال:"إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة".

-"الحرب السرية"في تحرك الجيش لفتح مكة:

في الرحيق المختوم: التهيؤ للغزوة ومحاولة الإخفاء: عند الطبراني أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أمر عائشة قبل أن يأتي إليه خبر نقض الميثاق بثلاثة أيام أن تجهزه، ولا يعلم أحد، فدخل عليها أبو بكر، فقال: يا بنية ما هذا الجهاز؟ قالت: واللَّه ما أدري، فقال: واللَّه ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد رسول اللَّه؟ قالت: واللَّه لا علم لي.

وفي صباح الثالثة جاء عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبًا، وارتجز يا رب إني ناشد محمدًا ... الأبيات. فعلم الناس بنقض الميثاق، وبعد عمرو جاء بديل ثم أبو سفيان وتأكد عند الناس الخبر، فأمرهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بالجهاز، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة. وقال: اللهم خذ العيون الأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها. وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - سرية قوامها ثمانية رجال تحت قيادة أبي قتادة بن ربعي إلى بطن أضم فيما بين ذي خشب وذي المروة على ثلاثة برد من المدينة ... ليظن الظان أنه - صلى الله عليه وسلم - يتوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار، وساق حديث حاطب - رضي الله عنه - ثم قال: وهكذا أخذ اللَّه العيون، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئهم للزحف والقتال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت