ومثل ذلك أيضًا أن شرعنا قد جاء بتحريم قتل النساء وأطفال المشركين وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، ومع ذلك فإذا تترس بهم الكفار ولم يكن يُخلص إليهم إلا بوطء الذرية والأطفال فإننا لا نمتنع عن ذلك، وقد روى الإمام أبو داود في المراسيل عن طاووس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رَمَى بالمنجنيق على أهل الطائف والمنجنيق لا يفرق بين صغير وكبير، ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله: فإن قال قائل: كيف أجَزت الرمي بالمنجنيق وبالنار على جماعة المشركين وفيهم الولدان والنساء وهو منهي عن قتلهم: قيل: أجزنا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شَنّ الغارة على بني المصطلق غارّين، وأمر بالبيات وبالتحريق والعلم يُحيط أن فيهم الولدان والنساء، وذلك أن الدار دار شرك غير ممنوعة وإنما نَهى أن تُقصد النساء والولدان بالقتل إذا كان قاتلهم يعرفهم بِأعيانهم.
وقال الشافعي في الأم: وإن كان في الدار أسارى من المسلمين أو تجار مُستأمنون كَرِهت النصب عليهم لِما يعمّ من التحريق والتغريق وما أشبهه غير محرم له تحريمًا بينًا وذلك أن الدار إذا كانت مباحة فلا [يبين] بأن تحرم بأن يكون فيها مُسلم يحرم دمه وإنما كَرهت ذلك احتياطًا، ولأن مباحًا لنا لو لم يكن فيها مسلم أن نجاوزها فلا نقاتلها، ولذلك أجاز أئمتنا رحمهم الله تعالى مسألة التبييت وهي ثابتة في الصحيحين عن سعد بن جَثّامة رضي الله عنهما جميعًا أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب النساء والذراري والذرية فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"هم منهم"، ولذلك قال أحمد رحمه الله لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات، قال: ولا نعلم أحد كره بيات العدو.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله فإن قيل فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والذرية قلنا هذا محمول على التعمد لقتلهم قال أحمد أما أن يتعمد قتلهم فلا.
وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر قال:"لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة أتى بامرأة مقتولة فقال ما كانت هذه تقاتل ونهى"فذكر الحديث.
وأخرج أبو داود في المراسيل عن عكرمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: ألم أنه عن قتل النساء، من صاحبها؟، فقال رجل: أنا يا رسول الله أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني فقتلتها، فأمر بها أن توارى"، ويحتمل في هذه التعدد، والذي جنح إليه غيرهم الجمع بين الحديثين كما تقدمت الإشارة إليه، وهو قول الشافعي والكوفيين."
وقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها.
وقال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إلا إن باشرت القتل وقصدت إليه.
قال: وكذلك الصبي المراهق.
ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث رياح بن الربيع التميمي قال:"كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة، فرأى الناس مجتمعين، فرأى امرأة مقتولة فقال:"ما كانت هذه لتقاتل،"فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقُتلت، واتفق الجميع كما نقل ابن بطال وغيره على منع القصد إلى قتل النساء والوالدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر، ولما في استبقائهم جميعا من الانتفاع بهم إما بالرق أو بالفداء فيمن يجوز أن يفادى به، وحكى الحازمي قولا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب، وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي، وهو غريب."
إذا كان"الطهر"في عُرف الفقهاء هو الخلو من النجاسة، فإن"الحرب التطهيرية"تعني كما هو أصل التسمية: تطهير وتنظيف وإخلاء الدولة الإسلامية ثم إخلاء الأرض من النجاسة المتمثلة في الشرك والكفر.
وقد اعتمدت سياسة التطهير النبوية على الابتداء أساسًا من قلوب أصحابه وأتباعه، فعمل على تطهيرها من متعلقات الدنيا وعلائقها، فصفت قلوبهم وطهرت صدورهم من أغلال الأرض فسمو في علياء السماء، لتصغر في أعينهم عوائق العمل، لينطلقوا في رحباء البناء بعد التحرر من أدران الجاهلية.