"قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [التوبة24] .
وأما تفاصيل هذا التطهير النفسي فليس هذا محله، وحقه طرح مستقل يوافيه حقه، وحسبه أنه جهد المقل وخاطب حسناء أثقله المهر، وحسبك في وصفه ما قاله ابن القيم: لما استقرَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وأيَّده الله بنصره، بعباده المؤمنين الأنصار، وألَّفَّ بين قلوبهم بعد العداوة والإحَنِ التي كانت بينهم، فمنعته أنصارُ الله وكتيبةُ الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلُوا نفوسهم دونه وقدَّموا محبتَه على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم مِن أنفسهم، رمتهُمُ العربُ واليهودُ عن قوس واحدة، وشمَّروا لهم عن سَاقِ العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم مِن كُلِّ جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبرِ والعفو والصفح حتى قويت الشوكةُ، واشتد الجناحُ، فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرِضه عليهم، فقال تعالى:"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لقَدِيرٌ" [الحج: 39] .
حين استعصت مكة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحارب أهلها دين الله، وامتنعوا عن الدخول في الإسلام وزاد التضييق والتشديد والتعذيب علي المسلمين، أذن الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة للمدينة بعد هجرتين للحبشة، مع الفارق بين الهجرات الثلاث، فالأخيرة منهن كانت لقوم عندهم المنعة والقوة، وفيهم الشكيمة والحرب على من يعادي الذي يأوي إليهم، وفيهم القدرة على تحمل أعباء الدين والذود عن حياضه.
وهاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه إلى المدينة، وبذلك أُعلن قيام الدولة الإسلامية فانقسم الناس حسب أحوالهم إلى أقسام أربعة:
-محاربون كقريش ومن معها.
-مصالحون ومهادنون ومستأمنون بعقود وأحلاف كيهود المدينة.
-قسم لم يُصالح ولم يُسالم: انتظر أصحابه ما تؤول إليه الحال فيكونوا مع القوي، ككثير من قبائل العرب التي ما رأت من مصلحتها استعداء المسلمين ولا مناصرة قريش، ولما فُتحت مكة جاءوا يبايعون الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبذلك انتقلوا من الحياد إلي الانحياز لفئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-قسم ناصره ظاهرًا وحاربه باطنًا كمنافقي المدينة.
أما الأصناف الثلاثة الأولى فقد شملتهم حروب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأوقات متغايرة ومواقف متفاوتة، حسب ما يقرره الوحي أو أحوال الزمن وتقلباته، كيهود خيبر الذين لم يسالموا ولم يحاربوا فلما دخلوا في حلف قريش انتقلوا إلى حالة العداء، وأما قريش وأحلافها فحديثها القتالي من الوضوح بمكان، أما القسم الرابع فلم تشمله حروب الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأمر الرباني بكف اليد عنهم وعدم جر السيوف على رقابهم، بل مجالهم الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والمعاقبة بالفضح، ولنا ظاهرهم، ولا تُحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه.
أولًا: تطهير المدينة:
بعد مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى المدينة مهاجرًا، كان في المدينة أصناف عدة، فمنهم العرب وهم الأوس والخزرج الذين دخلوا في الإسلام وآخى بينهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومنهم اليهود على أصنافهم الثلاثة وقد تعاقد معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعقود مصالحة وموادعة.
وعلى الرغم من عهود الأمان مع اليهود فإنهم كانوا يشكلون شوكة في حلق المسلمين، لعدم وجود عوامل الثقة بين الطرفين، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحين الفرصة لتطهير المدينة منهم، وليس معنى هذا استباق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لغدرهم، بل شملهم الأمر جميعًا بغدر ذوي الشوكة والمنعة منهم وعدم قبول المعذرة أو الندم لمن تولى كبر الغدر منهم، فكان أول ما يهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفعله كعقوبة هو الإجلاء عن المدينة، وما سواه فكان يتغاضى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما فعل ابن أبي ابن سلول حين شفع لليهود، فقبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - شفاعته على أن يتركوا المدينة فكان أول تطهير لليهود.
-تطهير المدينة من بني قينقاع:
قال ابن القيم في الزاد حول سبب الفعل الذي استحقوا معه العقوبة فقال: شرقوا بوقعة بدر، وأظهروا البغي والحسد فسارت إليهم جنود الله يقدمهم عبد الله ورسوله، وقد ذكر ابن هشام تفسيرا لقول الإمام ابن القيم فقال: قالت اليهود: لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.
وزاد ابن هشام والواقدي سببًا للحرب فقالا: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يُريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت