الصفحة 52 من 216

سوءتها فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله - وكان يهوديًا- وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.

قال ابن القيم: وحاصرهم خمسة عشر ليلة ... وهم أول من حارب من اليهود، وتحصنوا في حصونهم فحاصرهم أشد الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب الذي إذا أراد خذلان قوم وهزيمتهم أنزله عليهم وقذفه في قلوبهم، فنزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم فأمر بهم فكتفوا، وكلم عبد الله بن أبي فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وألح عليه فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة، ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من أرض الشام، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم.

بالنظر إلى سبب الفعل يُرى أنه كان من طائفة من اليهود سواء القول وإظهار الحسد والبغي، أو التهديد بشوكتهم وشكيمتهم أو لمراودتهم للمرأة أو حتى قتل المسلم، فالمواقف كانت متسارعة ولم يشترك فيها كل اليهود وهو ما يدركه كل عاقل، فلم يجتمع كل اليهود على القول الواحد أو في السوق على الموقف الواحد، من كشف سوءة امرأة أو قتل مسلم، ولكن العقوبة عمت الجميع حتى شملت الذراري والنساء، فكان التطهير لما هم على أصله من الفساد، وخطر وجودهم كان يستوجب معاقبتهم على أدني خطأ يظهر منهم.

-تطهير المدينة من بني النضير:

قال ابن القيم في الزاد وأصل الحديث في الصحيحين: سبب ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج إليهم - أي إلي بني النضير- في نفر من أصحابه، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك، وخلا بعضهم ببعض وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كُتب عليهم، فتآمروا بقتله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا، فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا فوالله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه وجاء الوحي على الفور إليه من ربه تبارك وتعالى بما هموا به فنهض مسرعًا، وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه فقالوا: نهضت ولم نشعر بك فأخبرهم بما همت يهود به وبعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أن اخرجوا من المدينة، ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن وجدت بعد ذلك بها، ضربت عنقه"، فأقاموا أياما يتجهزون وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبي: أن لا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قال له وبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ونهضوا إليه وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهى إليهم قاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة واعتزلتهم قريظة وخانهم ابن أبي وحلفاؤهم من قريظة، فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقطع نخلهم وحرق، فأرسلوا: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح.

الموقف كان مع جماعة من اليهود وليس مع جميعهم، والذين تآمروا عليه ثلة منهم وقد عارضهم من كان معهم، والذي همَّ بالفعل واحد فقط، ولكن العقاب شمل من اجتمع ومن غاب ومن أيد ومن لم يدر، ليؤكد أخذهم بأدنى خيانة تظهر منهم، فتطهير المدينة منهم كان حاضرًا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحكم عليهم لما ارتكبه أشقاهم من الغدر والخيانة.

-تطهير المدينة من بني قريظة:

قال ابن القيم في الزاد وأصله في الصحيحين: سبب غزوهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صلح جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارهم فقال: قد جئتكم بعز الدهر جئتكم بقريش على سادتها، وغطفان على قادتها، وأنتم أهل الشوكة والسلاح فهلم حتى نناجز محمدًا ونفرغ منه، فقال له رئيسهم: بل جئتني والله بذل الدهر جئتني بسحاب قد أراق ماءه فهو يرعد ويبرق، فلم يزل حيي يخادعه ويعده ويمنيه حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حصنه يصيبه ما أصابهم ففعل، ونقضوا عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأظهروا سبه، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... حصرهم خمسًا وعشرين ليلة ولما اشتد عليهم الحصار ... ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان فيهم حكم سعد - رضي الله عنه: أن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات.

والذي نقض العهد ليس كل اليهود بل من كبرائهم أو ذوي الرأي والقول فيهم، لذلك لما ظهر نقضهم للعهد كان بمثابة سببٍ لإقامة العقوبة الشاملة وهي تطهير المدينة منهم، وقد شدد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقوبة بجانب الإخراج من المدينة في بني قريظة، لما كان من شدة عداوتهم وخيانتهم في أحلك ظرف مر على المدينة والمسلمين، ألا وهو الخيانة في زمن الحرب.

قال ابن القيم: فهذا كله في يهود المدينة، وكانت غزوة كل طائفة منهم عقب كل غزوة من الغزوات الكبار، فغزوة بني قينقاع عقب بدر، وغزوة بني النضير عقب غزوة أحد، وغزوة بني قريظة عقب الخندق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت