الصفحة 53 من 216

وهذا ما يُشعر أن الله قدًّر أن يفتت جمع اليهود ليستفرد بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل على حدة ويجليهم فرقة فرقة، طهارة للمدينة أن يساكن الخبيث فيها الطيب وهي كالكير ينفي خبث الحديد.

-تطهير الجزيرة من اليهود:

قال ابن القيم في الزاد: قال الواقدي: فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة عشر يومًا سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلح وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم: انزل فأكلمك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نعم"، فنزل ابن أبي الحقيق فصالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة إلا ثوبًا على ظهر إنسان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا"فصالحوه على ذلك.

قال حماد بن سلمة: فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعم حيي بن أخطب:"ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟"، قال: أذهبته النفقات والحروب، فقال:"العهد قريب والمال أكثر من ذلك"، فدفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الزبير فمسه بعذاب، وقد كان قبل ذلك دخل خربة فقال:"قد رأيت حييًا يطوف في خربة ها هنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم منها فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها وكانوا لا يفرغون يقومون عليها فأعطاهم خيبر، على أن لهم الشطر من كل زرع وكل ثمر ما بدا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرهم ... ولم يقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الصلح إلا ابني أبي الحقيق للنكث الذي نكثوا."

وذكر ابن الأثير وغيره: أن يهود خيبر كانوا مظاهرين ليهود غطفان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّ غطفان قصدت خيبر ليظاهروا اليهود فيها، ثمّ خافوا المسلمين على أهليهم وأموالهم فرجعوا.

ومعلوم موقف غطفان بشأن حلفها مع قريش في الأحزاب، وما وقع من أمرهم، بهَم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمصالحة ورفض السعدين لها، وما قدره الله من انهزام للأحزاب وتفرق جمعهم، وبغض النظر عما يصح من أحلاف بين خيبر وغطفان فإنه لم يكن بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين يهود خيبر عهد كما بينه وبين يهود المدينة، فهو في حِل من الالتزام فمصالحة القوم, وهو وإياهم على خيارين: إما الإسلام وإما الحرب، ولم تكن الجزية قد نزل حكمها بعد.

قال ابن القيم تأصيلًا: جواز إجلاء أهل الذِّمةِ من دار الإسلام إذا اسْتُغنِىَ عنهم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"نُقِرُّكُم مَا أَقَرَّكمُ اللهُ"، وقال لكبيرهم:"كَيْفَ بكَ إذا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ نَحْوَ الشَّام يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا"، وأجلاهم عمرُ - رضي الله عنه - بعد موته - صلى الله عليه وسلم -، وهذا مذهبُ محمد بن جرير الطبرى، وهو قولٌ قوى يسوغُ العملُ به إذا رأى الإمامُ فيه المصلحةَ.

ولا يُقال: أهل خَيْبَر لم تكن لهم ذِمة، بل كانُوا أهلَ هُدنة، فهذا كلام لا حاصِل تحته، فإنهم كانوا أهلَ ذِمة، قد أمِنوا بها على دمائهم وأموالهم أمانًا مستمرًا، نعم لم تكن الجزيةُ قد شُرِعَت، ونزل فرضُها، وكانوا أهلَ ذِمة بغير جزية، فلما نزل فرضُ الجزية، استُؤنِفَ ضربُها على مَن يُعقد له الذِّمة مِن أهل الكِتاب والمجوس، فلم يكن عدمُ أخذ الجزية منهم، لكونهم ليسوا أهلَ ذِمة، بل لأنها لم تكن نزل فرضُها بعد.

وأما كونُ العقد غيرَ مؤبَّد، فذاك لمدة إقرارهم في أرض خَيْبَر، لا لمدة حقنِ دمائهم، ثم يستبيحها الإمامُ متى شاء، فلهذا قال:"نُقِرُّكُمْ ما أقرَّكمُ اللهُ أَوْ مَا شَئْنَا"، ولم يقل: نحقِنُ دماءكم ما شئنا، وهكذا كان عقدُ الذمة لقُريظة والنَّضير عقدًا مشروطًا، بأن لا يُحاربوه، ولا يُظاهِرُوا عليه، ومتى فعلوا، فلا ذِمة لهم، وكانوا أهلَ ذِمة بلا جزية، إذ لم يكن نزلَ فرضُها إذ ذاك، واستباحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سَبْىَ نسائهم وذرارِيهم، وجعل نقضَ العهد ساريًا في حق النِّساء والذُرِّية، وجعل حُكم الساكت والمقر حُكمَ الناقِضِ والمحارب، وهذا موجبُ هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في أهل الذِّمة بعد الجزية أيضًا، أن يسرىَ نقضُ العهد في ذُرِّيتهم ونسائهم، ولكن هذا إذا كان الناقِضُون طائفةً لهم شَوْكة ومَنَعة، أما إذا كان الناقض واحدًا مِن طائفة لم يُوافقه بقيتهم، فهذا لا يسري النقضُ إلى زوجته وأولاده، كما أن مَن أهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دماءهم ممن كان يسبُّه، لَمْ يَسْبِ نساءَهم وذُرِّيتهم، فهذا هَدْيُه في هذا، وهو الذي لا محيدَ عنه.

-تطهير مكة من الشرك والكفر:

ذكر أهل السير والمغازي أنه من شروط الحديبية من أحب أن يدخل في عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم ودخلت خزاعة في عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده، فلما قامت الهدنة أمن كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت